رجل يحمل ابنته الصغيرة أثناء المشي بجانب الساحل

أنا لازلت كما تعرف ..!!

لم تكن علاقتي بابنتي على ما يرام اليوم. فرغم أنها أخذت قسطاً وافراً من النوم إلا أنها ترغب في أن نذهب معاً إلى الحديقة وأنا أحملها. حقيقةً لم أكن أفاجأ بطلب كهذا فأنا قد تآلفت مع هذه الطلبات منذ مولدها. ولم تكن والدتها أحسن منها حالا فقد تركتها وتركت طلباتها وذهبت ..

– إلى أين يا أبي ذهبت..؟

– لماذا لا تجيب ..؟

– لأني لا أعرف ..!

– كيف لا تعرف وأنت كبير ..؟

عندها تمنيت لو أنها غيرت موضوع الحديث عن أمها الميتة وعن حيرتي في إيصال هذا المعنى لها. فحوارها معي كل يوم دائما يبدأ ولا ينتهي كطريق طويل أعرف متى يبدأ وأرى النهاية ولا أعرف متى ينتهي وأقف. كانت الساعة السابعة صباحاً عندما قمت بإيقاظها. نهضت من الفراش وهي ما تزال خاملة بعد نوم طويل وهادئ على ما يبدو فهي لم تمانع كثيرا عندما أيقظتها وسحبتها برفق من السرير الذي نزلت منه بتخاذل محبب إليّ. أخذتْ تداعب شعر رأسِها بكسل شديد وتشد في جسمها علّه يستجيب لمحاولة الاستنشاط التي تقوم بها. قُدتها إلى الحمام وأخذت بغسل وجهها وهي تضحك مصدرةً أصواتاً مباغتة عند ملامسة الماء البارد لوجهها. ألبستها أحسن ما لديها فلقد تعودنا في عطلة نهاية الأسبوع أن نقوم برحلة صباحية قصيرة معاً في الحديقة القريبة من المنزل..

– أسرع يا أبي فلقد تأخرت ..!!

غريبٌ أمركِ. لا يوجد لديك أي موعد. ومع ذلك تستحثيني في الإسراع بطريقة طفولية ممتعة أرتاحُ لها كثيراً خصوصاً منك. أكملتُ جميع ملابسك لم يبق سوى الإفطار الذي أعددته من أجلك

– لا أريد أن آكل .. اصنع لي سندوتشا ..!

كل أسبوع نفس الطريقة في الأكل. تأملتُ ملامحها كم تبدو جميلة ومشرقة في هذا الصباح المنعش. رغم صغر سنها إلا أنني أشعر أنها أجمل من كثيرات أكبر منها وأصغر منها. ماذا حدث لي..؟ أصبحت أتكلم بنفس منطقها الطفولي أم ماذا؟ فتحت باب الشارع استقبلتني عند الباب نسمة من الهواء البارد تطايرت بعض خصلات شعرها مما جعلها تـتراجع إلى الخلف قليلاً. أغلقت الباب خلفي. وأخذت في السير على الرصيف.

– أبي احملني .. احملني كما اتفقنا البارحة ..

حملتها وبدأت في السير على الرصيف. وضعت رأسها على كتفي وتدلت رجلاها بجنبي. لم يكن بالشارع أناس كثيرون والشمس لم تكن ساطعة على غير عادتها. فالجو في بداية الشتاء، وممتعة ممارسة المشي في هذا الوقت. لم تكن الحديقة بعيدة ولكن مع الحمل الذي معي شعرتُ أن الطريق إليها لا ينتهي

– لماذا لا تسيرين وأنا أمسك بك..؟

هذه عادتها لا تجيب عندما تكون غير موافقة على ما أقول. لقد تعودت أيضا على هذه الإجابة بدون أن تُحدث فيّ أي نوع من المضايقة التي كُنت أشعر بها في البداية. ما أطول الطريق إلى هذه الحديقة فهي على ما أعرف لم تكن بهذا البعد ..

– أبي .. ماذا ترى ..؟

– نحن نسير على الرصيف الخاص بالشارع الذي أمام منزلنا. أمامي الآن قطة أم ولها ثلاث قطط صغيرة نائمة. عبرت التقاطع الآن .. أتجهُ إلى الرصيف المقابل، لم يبق على الوصول إلى الحديقة سوى تقاطع واحد. أمر الآن أمام بقالة التفاحة .. تذكرين التفاحة ..؟

نعم أتذكرها. أهي مفتوحة ..؟

– لا إنها مغلقة. أنتِ تعرفين أنها لا تفتح إلا في وقت متأخر ومع ذلك تُصرين على السؤال كل أسبوع عندما نسير بجوارها .. لماذا ..؟

بدأت يداي تؤلماني فأنا لم أكن متعوداً على أن أحملها كل هذه المسافة. وزنها على ما يبدو قد زاد ..

– لم يبق سوى بضعة أمتار ونصل إلى التقاطع الأخير الموصل إلى الحديقة. ونجلس على الكرسي الذي في وسط الحديقة تحت ظل شجرة العصافير وبجوار الحشائش الخضراء. ها هي الحديقة، لقد انتهت الأمتار ونحن الآن نعبر الشارع.

– هل هذا الشارع الصغير ..؟

– نعم إنه هو .. صعدت الرصيف المقابل الآن ودخلت داخل الحديقة .. لقد تعبت لماذا لا تسيرين الآن ..؟

– حسناً أعطني يدكْ ..

أخذنا بالتجول داخل الحديقة كما تعودنا. نسير حول الحديقة في البداية ثم نتجول داخلها لمدة نصف ساعة تقريبا، لا يدور خلالها أي حوار سوى الصمت الذي تخترقه أصوات العصافير ووقع أقدامنا على الأرض.. أغرق أنا في تأملاتي التي لا تـنـتـهي .. وتلتصق هي بي وتضغط بيدها الصغيرة على يدي كأنها تنشئ طريقة جديدة للاتصال والحوار معي .. تعودت على هذه الجولة الأسبوعية منذ سنوات حتى أصبحت لا أتصور أن أقضي نهاية أي أسبوع بدون هذه الجولة .. بل اعتبر أن الأسبوع لم ينته بعد إذا لم أقم بالجولة .. هي أيضا تعودت عليها .. وألمح معالم الحزن في قسماتِ وجهها كُلما تخلفنا عن هذه الجولة رغم أنها تكون نائمة ..

– لماذا لم توقظني ..؟

عندها لا أجد جوابا. منذ زمن لم تسألني عن والدتها، يبدو أنها تعودت على عدم وجودها أو حتى سماع صوتها المسجل الذي كانت دائما تسأل عنه وأسمعها إياه. تضحك في البداية .. ثم تنساب الدموع ..

انتهت الجولة داخل الحديقة. شعرت بعدها بأن قدميّ قد تخلتا عني وجلسنا بعد أن تأوهت من التعب. نظرت إليها وهي جالسة بجواري محركةً قدميها بنشاط واضح أدركتُ بعده كم أن عمري زاد دون أن أعرف. أتخوف دائما من هذه اللحظة رغم انتظاري لها، حيث أكون قد تعبت من الجولة، وأود أن أجلس لأستريح. مصدر خوفي هو طلبها الذي لم أتعود عليه. ويبدو أنني لن أتعود عليه أبداً. كانت عندما تطلبه لا أدري كيف ألبيه بدون أن يتمزق داخلي بسكاكين لا أراها، دون أن أشعر بأني عاجز تماما على فهم هذه الحياة وما هو معنى أن أكون ضوءاً يبعثر الهواء. أو أن أكون شجرة تسقط أوراقها. لحظتها أتمنى أن تصمت .. ألا تقول شيئا، أن تتوقف الحركة على الأرض، أن يصمت الزمان. يبدو أنها سوف تقوله فقد توقفت حركة قدميها. دائما عندما أحاول أن أُسكِتُها أكون قد تأخرت قليلاً ..

– أبي صف لي ماذا ترى ..؟ .. فأنا كما تعرف لا أرى ..!!