عصر ذلك اليوم وقبل صلاة المغرب بقليل، خرجتُ من “بقالة” في بطرف الشارع. سرت متمهلاً أتطلع إلى بيوت جديدة متراصة على جانبي الشارع. بعضها لم يكتمل بناؤها وكثير منها مسكون. بيتنا يتصدر الشارع ويتفرع من أمامه شارع عرضي. فهو يأخذ حرف “T”في اللغة الإنجليزية، ذلك ما تشدق به السمسار أمامي عندما باعني الأرض.
وقفت أمام “فيلا” لم يكتمل بناؤها. فقد اعتدت على مراقبة تطور العمل فيها منذ شهور. أخذت أراقب العمال وهم يقومون بتنظيف أياديهم وأدواتهم استعداداً للذهاب. استمريت في السير متجها إلى البيت.
وكما قلت منذ زمن بعيد .. “الفيلا” جميلة بعد أن اكتمل بناؤها. كنت أتحرق شوقاً إلى معرفة ساكنها الذي بدأ زراعة الحديقة قبل أن يسكن. سألت الحارس المقيم في ركن الفيلا لم يجب.
أخذت أتصيد مرور صاحبها. كنت جاره ومن الواجب أن أتعرفه. هكذا أبرر رغبتي في الحديث معه. التقيته وهو يُنزل شتلات كثيرة جدا من سيارته .. المقاعد الخلفية والأمامية ممتلئة وأسفل المقاعد وفي شنطة السيارة الخلفية كاسات بلاستيكية بيضاء بها قليل من التراب وفروع نبات صغير الأوراق
– ما شاء الله ..كل هذه شتلات ..؟
صافحته .. ترك يدي وقال مبتسماً
– نعم فأنا احب هذا النبات
– ما اسمه..؟
– .. شجرة الجهنمية ..
– الجهنمية ..!
– نعم الجهنمية .. كثيرون لا يعرفون اسمها رغم انتشارها في كل مكان
حيرتني التسمية كثيراً. لم اكن اعرف أن هناك شجرة تسمى الجهنمية. أمطرته بأسئلة كثيرة .. شكلها .. حجمها. لم يتردد في الإجابة. كان يضحك بجلجلة عندما يجد سؤالي بسيطاً. عرض عليّ بعض الشتلات لزراعتها في حديقة منزلي. ترددت في البداية. ثم تشجعت قائلا لنفسي إنها مجرد شجرة.
– سوف اخذ شتلة واحدة فقط
– خذ اثنتين أو ثلاث فكما ترى لدي اكثر من خمسين شتلة
– لا شكراً سوف أخذ واحدة فقط
– تفضل
مد يده بإحدى الشتلات وهو يبتسم. غرست الشتلة في المساء نفسه. أقوم بسقي الشتلة الصغيرة كل يوم. كانت تنمو بسرعة أذهلتني. كانت الجهنمية بلا ساق. فروعها كأذرع بلهاء. تزهر باستمرار. في أيام الشتاء القليلة يتساقط نصف أوراقها. كنت اشعر أنها تبتعد عن ظل الأشجار الأخرى. تتجه إلى الشمس مباشرة. كلما ادخل حديقتي انظر إليها على يميني فاشعر بالبهجة من زهورها البيضاء المتراصة في طرف و الحمراء المتراصة في طرف آخر تذكرني بتلك الأسطورة.
لم اعد أرى جاري بعد اللقاء الأول. أتابع جهنمياته وهي تتسابق نحو نهاية سوره الجميل. مضى اكثر من ثلاثة اشهر على ذلك اللقاء بعدها رايته يرحب بي مبتسم
– هل أعجبتك الجهنمية
– إنها فعلا جهنمية .. لقد نمت أسرع من كل الأشجار التي في الحديقة..!
أجاب مبتسماً
– نعم .. إنها تنمو بسرعة
– هل انتقلت إلى “الفيلا” ..؟
– لا ..
قالها بشرود لم افهمه. أسرعت في سؤاله مرة أخرى
– لماذا..؟ هل تحتاج مساعدة..؟ أنا اعرف شركة ممتازة لنقل الأثاث وسعرها مناسب
– لا .. لا .. شكرا ..
ذهب مسرعة. لم أحاول التطفل. بعد يومين اخبرني انه سيسافر وطلب مني العناية “بالفيلا” ومراقبتها حتى يعود بعد شهر.
أصبحت كل يوم افتح باب الحديقة حينما تقترب الساعة من الخامسة عصرا. أقتعد درجات الفيلا الداخلية وكأني صاحبها. أكون قبلها قد أخذت جولة حول المبني .. أتطلع إليه من الخارج دون أن أقول شيئاً.
استمريت طوال الشهر. أصبحت اعرف أن سر جمال الجهنمية كان في تكوينات أوراقها. إنها مرنة ومنسجمة مع المبنى الصامت.
مضى اكثر من أربعة اشهر ولم أشاهده. سرحت الحارس فقد تعلقت بالحديقة إلى ابعد الحدود. السعادة تظهر على وجهي وأنا ذاهب إلى حديقته. اشعر بقناعة وارتياح. اذكر انه قال لي مرة إن زهرة شجرة الجهنمية يطلقون عليها
– زهرة المجنونة
– المجنونة
– نعم .. هذا هو الاسم الذي قالته لي
– من هي ؟
– ..
لم أتذكر من القائلة .. جارته .. عمته .. لا يهمني. اشعر أن جمال الجهنمية في زهورها المجنونة. كثير من الأيام أتوقف فانجذب إليها. أتمتع في وسطها عندما تراني.
نسيت الأيام. اصبح الكثيرون يعتقدون أنني صاحب “الفيلا” المغلقة. بعضهم عرض علي شراءها بدلا من إغلاقها بلا سبب. لم أتكلم. كُنت ارفض البيع فقط. مضى اكثر من سنه. كل يوم قرب المغرب اقترب من الجهنمية. منهكاً من العمل طوال اليوم. أتحسسها بتعب. اسمع هسيساً مع حفيف أوراقها يذكرني بضحكات صاحب “الفيلا”.
زرعت الشتلات. أحببت أن أشاهد الجهنمية منتشرة حولي. خمسون شتلة. غرست ثلاثين على رصيفيّ الشارع الملاصق، ووزعت الباقي على الجيران. كانت الجهنمية تتحمل الشمس. تستطيع الحياة أسابيع طويلة بقليل من الماء. مجاهدتها في البقاء تحفزني على عدم سقيها. اتركها إلى أن تصبح قريبة من الموت. استمتع بحفيفها وهسيسها الحزينين. أعطيها بعد ذلك كثيراً من الماء. أراقبها والحياة تدب في أطرافها. تورق وتزهر بجنون. اتعب .. أتوقف عن المراقبة. لا التفت إليها. اذهب عنها أسابيع. أعود إليها مرة أخرى مكدوداً من العمل. أنظر إليها بجفاف. هذه الأيام لم يعد لي أي عمل آتي منه. سني قد تجاوز الخامسة والستين. لم يتغير شيء. فالجهنمية بشكلها الغريب توحي لي بالسعادة خاصة عندما تستعيد حياتها بالماء.
امتلأت أرصفة شوارعنا بالجهنميات. كما امتلأت معظم حدائق المنازل المحيطة. لقد أصبحت الجهنمية جزءاً من الشارع.
لسنوات كثيرة في آخر النهار إلى ما قبل الغروب أقعد بظهر محني ويدين معروقتين أقلب الأوراق الجهنمية في فيلته المغلقة. أمسك أطرافها بحذر شديد. شوكها يخيفني. قرب المغرب اسمع هسيسها. أجده يتعالى في الليل. اسمعه وأنا ممدد على سريري. يتسلل بجنون من زهورها إلى داخلي. استعيد ضحكته تلك. تقف صورته القديمة من بعيد. لسنوات أصبحت اسمع ضحكته تتعالى في الظلام عندما يحرك الهواء ببطء أطراف الجهنمية. أصبح كل من يعبر شارعنا قرب المغرب يسمع هسيس الجهنمية، يسمع ضحكاتها المجنونة مختلطة بأصوات الطيور العائدة و أشعة الشمس المنسحبة.

