الحفائر تتنفس
كتبت هذه الرواية بصوت راو يجلس في غرفة مظلمة أمام جثة رجل يعرفه جيدا، ويصر على أن يجعله يتكلم رغم أن الموت أسكته منذ زمن. من هذا المشهد الوحيد تنبثق رواية كاملة تدور حول حي الحفائر في مكة، ذلك المكان الذي يبدو كأنه كائن حي يتنفس بأزقته وروائحه وأصوات ديكته وسكونه الليلي الموحش.
الراوي يستحضر طفولته في هذا الحي، وأمه التي كانت تنقش على قماش المساند حكايات لا تنتهي، وأبا صامتا يخفي وراء صمته سرا ثقيلا يتعلق بتلك المرأة نفسها. كل محاولة للحديث معه تصطدم بجدار من الصمت يمتد إلى السماء، حتى بعد أن يصبح جسدا بلا حياة، لا يزال الراوي يطارده بالأسئلة نفسها التي لم يجرؤ على طرحها وهو حي.
بين هذه الغرفة الضيقة وذاكرة الحفائر الممتدة عبر أجيال، تنفتح الرواية على مشهد مسيرة من العبيد يقتادهم نخاس عبر أزقة الحي، مشهد لا يعرف الراوي إن كان ذكرى حقيقية أم هلوسة تسكنه، لكنه متأكد من أنه حدث فعلا في مكان ما بين التاريخ والخيال.
الكتابة هنا تتحرك بحرية بين الحلم والواقع، بين الحاضر والماضي، حتى يفقد القارئ القدرة على تحديد أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر، تماما كما يفقدها الراوي نفسه. الجمل طويلة متدفقة، محملة بالروائح والأصوات والتفاصيل الحسية التي تجعلك تشعر أنك تمشي فعلا في أزقة الحفائر الضيقة تحت شمس مكة الحارقة.
هذه رواية عن مكان يرفض أن يموت رغم تغير كل شيء حوله، وعن إنسان يحاول أن يفهم أمه وأباه ونفسه من خلال جدران بيت قديم ما زال يتنفس بيننا. اقرأها إن كنت تبحث عن صوت أدبي يمزج بين سيرة المكان وسيرة الإنسان في نص واحد لا ينسى.

