كتبت هذه المجموعة بلغة تتسلل إليك من الظلام قبل أن تدرك أنها بدأت. أربع عشرة قصة قصيرة، كل واحدة منها تفتح بابا على عالم يشبه عالمك تماما، ثم تسحب الأرض من تحت قدميك دون سابق إنذار.
هنا جسر خشبي متهالك قد لا يحتمل وزن العابرين، وصوت يهمس من خلف الجدار الطيني وهو يمد يده نحو فتاة تترنح على حافة بئر جافة. رجل عجوز يجلس بجوار نهر يستمع إلى رجل آخر يقرر الانتحار انتصارا على الموت. امرأة يعرفها الجميع بقدرتها على التحدث إلى موتاها، فيخافها الجيران ويرمون آيات القرآن من تحت بابها. كل قصة تضعك في مكان مألوف تماما، ثم تكشف لك أن شيئا غريبا كان يراقبك منذ البداية.
الكتابة هنا لا تخبرك بما يحدث، تجعلك تعيشه. كثير من القصص مكتوبة بصيغة المخاطب، فتصبح أنت من يسير في العتمة، أنت من يمد يده إلى الغريب عند حافة البئر، أنت من يسمع الخطوات تقترب خلفه في زقاق ضيق. الحدود بين الحي والميت، بين الحلم واليقظة، بين الجنون والحكمة، تذوب في كل صفحة حتى تفقد القدرة على التمييز.
المدن هنا حاضرة بكل تفاصيلها، رابغ وجدة والخبر والظهران، بيوت طينية قديمة وأزقة ضيقة وحدائق فيها شجيرات الجهنمية، لكن تحت هذا الواقع المألوف تماما يكمن شيء آخر ينتظر لحظة غفلة ليظهر.
هذه قصص لا تخيفك بالدماء والصراخ، تخيفك بالصمت الذي يسبق الحدث، وبالتفصيلة الصغيرة التي تجعلك تعيد قراءة الجملة مرتين. اقرأها في الليل إن استطعت، فالمجموعة كتبت لتقرأ في وقتها الحقيقي، حين يصبح كل صوت خارج نافذتك سؤالا لا تملك له جوابا.

