لوحة 24 1024x888

٢٤ – ذاكرة أقدم من العين – الفنان عبدالله إدريس

حين تفتح هذه اللوحة بابها لا تدخل إليها بعينيك فقط ولكنك تبدوا وكأنك تُستدعى إليها من عمقٍ تعرفه ولا تتذكره. عمل الفنان عبدالله إدريس لا يكتفي بأن يُرى وإنما يُستعاد وكأن اللون يحمل ذاكرة أقدم من العين وكأن المساحة تعرف طريقها إلى الداخل قبل أن نخطو خطوة واحدة نحوها.

الأزرق في الأعلى لا يستقر كسماء مكتملة وإنما يظهر كأثر سماء مرّت وتركت بقاياها. يمتد كأفق مفتوح يضعك في حالة انتظار طويلة انتظار لا يبحث عن نهاية بقدر ما يتأمل الاستمرار. إلى جواره يتسلل الأخضر المائي بخفة كهمسٍ خافت يوحي بأن الحياة لا تنطفئ وإنما تغيّر شكلها وتواصل الامتداد في صمتٍ عميق لا ينتهي بين يديك.

وفي قلب اللوحة يشتعل الأحمر لا كزخرفة عابرة وإنما ككتلة زمن سقطت واستقرت في منتصف الحدث. لها حضور كثيف ونابض يحمل حرارة حكايات لم تُروَ بالكامل. هذا الأحمر يتداخل مع طبقات داكنة بنية وسوداء تشبه أرضًا حفظت آثار العابرين القدماء. هنا لا يحدث تداخل لوني فحسب وإنما يتراكم حوار خفي بين الأزمنة حيث يبقى ما كان حاضرًا في ما هو كائن الان.

المساحات البيضاء لا تأتي كفواصل صامتة وإنما كضوء يمنح الأشكال حرية الظهور والاختفاء. تتركها معلّقة بين حالتين كأنها لم تُحسم بعد. تمنح العين استراحة وتدعوها إلى تأمل ما لم يُقال. ما لم يُرسم هنا لا يغيب وإنما يحضر بطريقة أكثر صمتا وأكثر عمقًا.

الخطوط غير المكتملة تشير إلى ما يشبه الصدق القادم من التاريخ و لا يمكن تجاهله. أشكال تبدأ ولا تنتهي وكأنها تعكس طبيعة الحضارة نفسها وغموض القدم المتشكل باستمرار دائم وفي حركة لا تهدأ. تلوح ملامح تشبه البيوت أو أطلالًا أو شخوصًا بعيدة دون أن تقدّم تعريفًا نهائيًا لها. تتركك في حالة بحث هادئة بحث لا يزعج وإنما يفتح طبقات جديدة من الرؤية.

الزمن في هذه اللوحة لا يسير في خط مستقيم وإنما يتكاثف في نقطة واحدة. يمكن أن تراها جدارًا قديمًا في حارة منسية ويمكن أن تراها واجهة مدينة حديثة فقدت يقينها. الأزمنة هنا لا تتنافى وإنما تتجاور تتنفس في المساحة ذاتها كأن الماضي لم يغادر وكأن الحاضر يحمل صوته في داخله.

الملمس واضح يكاد يتحدث. الطبقات اللونية تحمل خشونة خفيفة أثر الزمن يبدو حاضرًا فيها كأن السطح نفسه شهد مرور أعوام طويلة. لا وجود لسطح مصقول يخفي أثر اليد وإنما كل شيء يحتفظ بصدق اللحظة التي وُضع فيها اللون بتردده وبثباته في الوقت ذاته.

أما الامتداد البصري فيفتح العمل على ما هو أبعد من إطاره. اللوحة لا تنتهي عند حوافها وإنما توحي بأن ما نراه مجرد مقطع من مشهد أكبر من حكاية مستمرة. الأفق يمتد خارجها كما تمتد الحضارة خارج حدود الزمن لا تتوقف وإنما تعيد تشكيل نفسها بهدوء.

في النهاية لا تسعى هذه اللوحة إلى تقديم إجابة. تضعك في حالة تأمل مستمر تذكّرك بأن الإنسان منذ بداياته الأولى يحاول أن يترك أثرًا أن يقول كنت هنا. هذا الأثر يتغيّر شكله ولكنه لا يختفي. اللون يتحول إلى ذاكرة والمساحة إلى زمن ممتد وبينهما يقف الإنسان يعيد كتابة نفسه مرة بعد أخرى دون أن يدرك أن ما يكتبه اليوم سيصبح أثرًا في يد فنان آخر في زمن آخر يبحث عن المعنى ذاته.