لوحة 7

٧ – نوافذ مفتوحة على سر الحياة – الفنان طه الصبان

في هذه اللوحة للفنان طه الصبّان تنبثق الألوان كأنها نوافذ مفتوحة على سرّ الحياة تتداخل وتتقاطع في حركة دائرية تشبه إيقاع الكون نفسه. المشهد يبدو في ظاهره تجريدياً لكن في باطنه يتدفق كأنه خريطة للمشاعر الإنسانية أو ذاكرة مدينة تختبئ بين ضربات اللون. ثمة دفء عميق في الأصفر والذهبي الذي يملأ الخلفية كأنه رمل دافئ أو ضوء شمسٍ حانية يحيط الكتلة المركزية ليجعلها تنبض بالحياة.

الألوان المتداخلة في قلب اللوحة أشبه بأوردة نابضة: الأخضر يرمز للخصب والتجدد الأزرق يمنح إحساسًا بالعمق والهدوء الأحمر يشعل الدفء في الداخل بينما البرتقالي يضيف نغمة من الفرح والامتلاء. كل لون لا يقف وحده بل يتشابك مع الآخر وكأنها أصوات بشرية متداخلة في جوقة واحدة تصنع سيمفونية بصرية تعكس الإنسان في كليته لا في فرديته.

هذه المساحات اللونية لا تُقرأ بوضوح لكنها تُشعرنا بالامتلاء. العين تسافر بينها كما يسافر القلب في رحلةٍ بين الأمل والحنين. الحرارة التي تصدر من هذه الألوان أشبه بنبضٍ داخلي يلمس الروح يدفعها إلى الرغبة في الحياة إلى استعادة لحظة صفاء توقفت فيها عقارب الزمن. هنا ينجح الفنان في الإمساك بما هو أعمق من المشهد المرئي إذ يمنحنا إحساسًا بأن الحياة نفسها يمكن أن تُختصر في ومضة في دائرة ألوان تُشبه خفقان القلب.

اللوحة وإن بدت تجريدية تحمل في أعماقها ملامح خفية قد تُذكّر بمكة. ربما في الخطوط الدائرية التي توحي بالطواف أو في التوازن الروحي بين الضوء والظل. كأن المدينة المقدسة قد سكنت الألوان بصمت لتتحول اللوحة إلى تجربة روحية أكثر منها بصرية تمنحنا يقينًا أن الجمال ليس خارجنا بل في داخلنا يتجلى حين ننظر بصفاء.

الأثر الذي تتركه هذه اللوحة في النفس يتجاوز الانبهار البصري إلى حالة من التأمل العميق. إنها توقظ في الداخل إحساسًا بالاستمرارية أن الحياة لا تتوقف بل تتجدد كما تتجدد الألوان في دائرة لا تنتهي. تمنحنا رغبة في البحث عن الجمال حتى في أبسط المساحات وتفتح لنا أفقًا مشرقًا نحو الغد.

طه الصبّان هنا لا يرسم مشهدًا لشخص أو مكان بل يقدّم صورة للإنسان في عمومه: الكائن الذي يعيش باللون ويتنفس بالرمز ويبحث دائمًا عن معنى يضيء له الطريق. لقد أوقف الزمن لحظة واحدة ليجسد انتباهًا خفيًا للحياة وليترك لنا أثرًا يذكّرنا بأن الجمال يظل ممكنًا مهما خفتت الألوان من حولنا.