لوحة للفنان عبدالله إدريس، جمل أبيض تسكنه خيوط ملونة على خلفية صحراوية

١ – خيمة الألوان في صحراء الذاكرة – الفنان عبدالله إدريس

أجلس أمام هذه اللوحة كأنني أجلس أمام مرآة لا تعكس ملامحي انها تعكس داخلي. لوحة عبدالله إدريس لا تمنحني فرصة للفرار إنها تجرّني إلى قلبها تضعني في مواجهة ما كنت أهرب منه طويلًا مثل الشغف والرغبة في الحياة والدفء الذي لا يعرف أن ينطفئ. الجمل الأبيض هنا ممتد كظلٍّ طويل لكن داخله مشتعِل بخيوطٍ منقوشة خيمة ألوان تسكنها أرواح الذين مضوا وأغنيات الذين ما زالوا ينتظرون في الطريق.

أفكر وأنا أتأمل الأحمر المتقد أنه ليس مجرد لونٍ على قماش. هو كل لحظة حارقة مررت بها كل اندفاع كل حبٍّ مفاجئ طرق بابي ثم مضى. إنه الدم نفسه الدم الذي يجعلني أعود وأكتب وأحلم حتى عندما تجرحني الحياة. ثم يطل الأصفر لا كنورٍ بارد، كشمسٍ وُضعت في داخلي تسكب دفئها على مساحات مظلمة من روحي. كأنه يقول لي، ان هناك ما زال هناك متسع لتشرق، ما زال هناك طريق لم تمشِه بعد.

اللوحة ليست ساكنة. كل خطٍ فيها يتحرك كل شكلٍ هندسيّ يهتز كإيقاعٍ في أغنية قديمة. أرى البرتقالي يتماوج مثل لهبٍ صغير يذكرني بنارٍ جلسنا حولها في صحراء بعيدة نضحك ونخاف من صمت الليل في الوقت نفسه. البنفسجي يتسلل من بين الخيوط كغمامة حزن لكنه حزن يحنّن القلب يجعله أرقّ وأكثر استعدادًا لأن يرى الجمال حتى في الانكسارات.

وحين أرفع بصري قليلًا أجد الأزرق المحيط بالجمل يمدّني بالسكينة. ذلك الأزرق العميق كالبحر أو كالسماء حين تخلو من الغيوم. كم كنت أحتاجه لأصدق أن حولنا مساحة شاسعة تتسع لأحلامنا وأن الزرقة التي تظللنا تعني أفقًا. هو الصمت الذي يوازن الصخب الخلفية التي تجعل الضوء أكثر بروزًا.

أشعر وأنا أطيل النظر أن اللوحة تتحول إلى دفتر يومياتي الخاص. كل رقعة من القماش المرسوم داخل الجمل تذكّرني بذكرى بلونٍ عشته بمكانٍ مررت به بوجهٍ ابتسم ثم اختفى. تذكّرني أنني مثل هذا الكائن الأبيض، ربما أبدو بسيطًا من الخارج لكن داخلي مليء بخيوطٍ وألوانٍ وتجاعيد من قصص لم تُحكَ بعد.

أتخيل الفنان عبدالله إدريس وهو يرسم. هل كان يشعر أن الزمن توقف ليمنحه فرصة الإمساك باللحظة؟ أنا أشعر أن الزمن توقف لي أنا أيضًا. كأنني صرت جزءًا من ضربات فرشاته وكأنني أعيش معه تلك اللحظة التي لا تُقاس بالساعة انما بما تتركه في القلب.

عندما أغلق عينيّ تبقى اللوحة معي. أسمع صفير الريح في الصحراء أرى ظل الخيمة وأشعر أنني محمول على ظهر الجمل أسير ببطء لكنني لا أتوقف. وهنا يحدث السحر. اللوحة لا تعلّقني في مكانها فقط، انها تدفعني للمضي لتذكّرني أن الحياة ليست أثقالًا نجرّها بل ألوانًا نحملها فينا.

وهكذا خرجت من أمامها مختلفًا. كأنها قالت لي بهدوء: “لا تخف من ثقل الأيام فداخلك دائمًا متسع لجمالٍ جديد.” وربما لهذا السبب وأنا أكتب الآن أشعر أنني أتنفّس ببطءٍ أعمق وأن كل كلمة أضعها على الورق ليست سوى خيط جديد في خيمتي الخاصة خيمة ألوان أريد أن أتركها أثرًا في هذا العالم.