انفرجت شفتاه محاولا أن يرسم ما يعتقد أنها ابتسامة، فبدت كشيء ممزق مهترئ.
نظراته الجانبية، تاريخه الطويل في الغناء يقتربان من الهواء ولا يعنيان شيئا.
الهجمات التي يستقبلها تتجمع تحت عينيه فيذرفها دمعا هادئا. كأن لم تكن تعنيه كلماتهم الصاخبة وحروفهم الناقدة واللامزة.
كان يرسل لهم تلك الابتسامة وهو ممسك بعوده يدندن ألحاناً غجرية قاسيه، يحاول بها أن يتذكر شيئاً يبعد به عنهم، تتسابق مخيلته في الحقول، يتشبث بالبراري. فقد يتصاعد إلى السماء ليقترب من غيمه تبكي ويتمسح بها.
يعود إلى أنغامه المنسابة. يحتضن العود بقوة. يفرغ طاقته على الأوتار المشدودة .. يعزف أصواتا بائسة تخترقه لتعبر الفراغ إليهم بحزم متمسكة بآذانهم الصماء.
لم يهتموا بما يفعل. كانوا يتسامرون ويتضاحكون كأن لا أحد بالجوار. تتسمر أصواتهم في رأسه فيهزه الإصرار طربا إلى الرحيل. أعاد رأسه إلى الأمام ونظر دون أن يبتسم. أعاد إلى نفسه قليلاً من التماسك. شرع يغني إلى أن ذهبوا جميعا.
بدأ يكتب اللحن بيد مرتجفة والعرق يلمع على جبينه.

