امرأة تجلس في غرفة معيشة هادئة تنظر بحزن صامت

انسحاب

لم أرها منذ زمن طويل. كانت كما هي حين تركتني فوجهها لم يتغير ولم تزد التجاعيد بل إنني أعتقد أنها لا تزال كما هي قبل التجاعيد. كُنت ألمح في عينيها تلك النظرات الحزينة التي كانت تطل دائما من عينيها دون أن تتكلم. كُنت أجلس خلف مقود السيارة عندما نظرت إلي وهي تسير في الشارع. لم أصدق عيني وتوقفت مباشرة. فتحت باب السيارة دون أن أسمع صوتها وجلست في المقعد بجواري وأغلقت الباب. لم نتحدث عن شيء واحد. لم أقبلها. لم تحاول هي أن تقترب أكثر. كنا كغريبين نتحدث فقط عندما نتوقف عن الكلام. نزلت من السيارة وصعدنا درجات البيت الخمس ثم فتحت الباب وأنا أعتذر عن عدم وجود المصباح الكهربائي في المدخل. لم أغلق الباب بل جعلته ينزلق دون قفل وأذكر أنني ارتعدت من صريره المريض. كُنت أعرف أن شعري ليس قصيراً لذلك عندما نزعت الغترة من فوق رأسي لمحتُ نظرات الدهشة في عينيها الحزينتين. كانت تنظر إلى كل شيء في البيت.

– لم يتغير شيء

– لقد مات أبي .. ولم يبق غيري في البيت

– ولماذا لم تتزوج ..؟

ألقت بعباءتها على طرف المسند الأحمر في ركن المجلس. تحسست شعر رأسي الناعم وأحضرت لها كأسا من الماء وجلست في ركن المجلس ومددت رجلي على الأرض وأنا أتطلع إلى السقف. أخذت نفسا عميقا. لم أشعر بها عندما شربت الماء ولكني أتذكر أنها انتصبت واقفة ثم مدت يدها إليّ كأنها تريد يدي فأعطيتها. شدتني بقوة. لم أشعر بألم في البداية. استمرت في سحب يدي وأنا أنظر إليها دون أن أتكلم

– لا تنهض .. ابق كما أنت ..

انحسر كم الثوب من يدي وأنا أشعر بذراعي يكاد ينفصل من كتفي والألم بدأت أشعر به بقوة. استمرت في سحب يدي وجسمي بدأ يتحرك. كان الهواء في المجلس قد أخذ يتحرك بعد النسمات القادمة من نافذة المجلس ولا أذكر متى فتحتها. تركت جسمي ينزلق على الأرض المغطاة بالمفرش الملون دون أن أتكلم.

– جسمك كما هو، لا زلت محافظا على وزنك ..!

استمرت في سحبي إلى أن وصلت إلى منتصف المجلس وأنا أنقل نظري بين سقف المجلس وعينيها. كان سحبها لي ببطء وآلامُ ذراعي أيضا تزداد ببطء. أتذكر أنني التقطت المقص الملقى على الأرض وأمسكت به بيدي الأخرى. كنت قد وصلت إلى طرف المجلس وهي تسحبني دون أن تتعب ثم توقفت فجأة تركت يدي وجلست بجوار رأسي. أخذت المقص من يدي وبدأت في قص شعري دون أن أعترض أو أتكلم فقد كُنت أظنها أمي الميتة منذ سنين …!