دخل محسن دوير إلى مبنى الإدارة ممسكاً الشنطة الصغيرة بيده. يبدو من بعيد كأنه مدير الإدارة في المبنى ولكنه، تبعا لما يقوله عم عبده الفراش، أقل من الموظف العادي. كان دائما لا يعمل. يأتي إلى المكتب منذ الصباح ويجلس خلف الطاولة ثم يمسك بالجرائد إلى أن ينتهي الدوام الرسمي ويخرج. هذا اليوم يبدو أنه في كامل نشاطه، وهو يسلم على عم عبده الفراش.
– القهوة يا عم عبده .. الله يخليك.
– المدير ينتظرك في غرفة الاجتماعات.
– هكذا منذ الصباح ..؟
– ماذا يريد ..؟
– لا أدري ..!
كانت غرفة الاجتماعات مستطيلة الشكل وكما هو الحال في جميع غرف الاجتماعات، تتوسطها طاولة كبيرة مستطيلة ونظيفة. لم يجد المدير في الغرفة. لم يطل انتظاره، فقد دخل زميله أحمد بن أحمد أنشط موظف في الإدارة وجلس أمامه في الطاولة، ثم طارق سعيد وتبعهم علي الكيس والذي كانوا يتندرون عليه ويقولون:
– أنت اسم على مسمى.
كان سمينا إلى درجة الإجهاد فلا يستطيع أن يعمل أي شيء سوى الذهاب إلى الحمام كل ساعة والأخرى وقد أحصى عليه زميله أحمد بن أحمد عدد المرات التي يذهب فيها إلى الحمام فوصلت إلى ثماني مرات في يوم واحد. وكان يقول
– أنا أنهي شغلي في الحمام، فلا تتعجبوا من كثرة أشغالي ..!
جلس طارق سعيد، وهو من أهدأ الموظفين، إلى جوار محسن الدويري بعد أن نظر إليه وهو متردد في أن يلقي السلام أم لا.
– السلام عليكم.
قالها بهمس وكأنه لا يريد أحدا أن يسمعها ولم يجب أحد عليه. ارتمى علي الكيس بجوار أحمد بن أحمد وهو يلهث.
– ما هذا الاجتماع الذي قبل الفطور ..؟
لم يجب أحد فقد كانوا مثله لا يعرفون شيئاً. دخل المدير بعد ربع ساعة وجلس في صدر الطاولة
– لقد اجتمعت بكم اليوم في هذا الوقت لأبلغكم بأن هناك خطابات لكل موظف منكم، ويجب أن يكتب كل منكم مهام عمله بدقة وتفصيل.
سأل أحمد بن أحمد مباشرة وبدون تردد:
– وأين الخطابات..؟
– لم تصل بعد .. ولكنها في طريقها إليكم .. قد تصل قبل أن تنتهوا من كتابة مهام عملكم.
– هل تعرف ماذا بها ..؟
– لا .. ولكني أعتقد ..
– ماذا تعتقد ..؟
– لا شيء ربما أكون مخطئاً.
تدخل علي الكيس وأخذ يتكلم من بين أنفاسه المتلاحقة:
– لا تحيرنا يا أستاذ سعيد .. قل ماذا تعتقد ..؟
– سمعت عن حركة تنقلات في الأقسام، ربما كانت الخطابات حول هذا الموضوع .. انتظروا قليلا سوف أتصل بالمدير العام وأعود.
خرج من غرفة الاجتماعات مسرعا دون أن يضيف كلمة أخرى. كانت نظرات بعضهم إلى بعض بلا معنى، فلم يسمع أحدهم عن النقل من قبل.
مضت أربع ساعات على خروج المدير، وما زالوا ينتظرون أن يعود. وقد بدأ علي الكيس يتململ في جلسته.
محسن دوير
ابنتي كانت تقذفني بالحشرات الصغيرة كأنها تلعب معي وأنا مقيد إلى السرير ولا أستطيع الحركة. ضحكتها تقترب من أذني وتكاد تفقدني السمع. أحاول أن أصرخ ولكني لا أستطيع، فحركات رأسي أدخلت بعض تلك الحشرات اللاصقة في أنفي فأخذت أعطس بشدة.
– آه ..
كانت آهة بذلت كل ما في وسعي كي أصدرها، ولكنني بالكاد سمعتها والحشرات تجري على وجهي. لم أر القيود التي تشدني إلى السرير، وأشعر بأنني ملتصق بالسرير وبالقيود تدخلني إلى المرتبة ببطء واستمرار.
– آه ..
لم يسمعني أحد أيضا، وابنتي مستمرة بقذفي بالحشرات. أغمضت عيني بشدة خوفاً عليها وأنا أشعر بقرص الحشرات في خديّ.
– هل ما زلت نائما ..!
فتحت عيني فقط وأنا أنظر، من خلال عتمة الغرفة، إلى زوجتي المبتسمة. حاولت أن أشعرها بما تفعله ابنتي وأستفسر منها عن قيودي، ولكنها ظلت تحدق في وجهي دون أن تقترب، وابنتي مستمرة في إلقاء الحشرات وأنا أغوص داخل السرير ببطء.
– آه ..
لم تسمعني ولكنها اقتربت من النافذة وفتحتها على مصراعيها ولم يحدث شيء، شعرت أن القيد بدأ يخف والحشرات بدأت بالانسحاب من على وجهي. لقد كنت أشعر أن كل الحشرات تتسلل من طرف أذني الأيمن والقرص الخفيف يتركز في طرفها.
– هيا انهض أيها الكسول ..
– .. آه .. صباح الخير.
– صباح النور.
لقد استطعت أن أحرك يديّ ورجليّ وجلست على السرير أتنفس بصعوبة. خرجت زوجتي دون أن أهتم بما قالت .. ربما تذكرني بالإفطار. تحسست أذني اليمنى علني أجد شيئاً ولكنها سليمة ..
أحمد بن أحمد
أخذت بضربه بالعصا في وسط بطنه المنتفخة بقوة وهو واقف أمامي وكانت آخر ضربة قوية جدا شعرت بألمها في معدتي، ثم أخذت أتلوى على الأرض والعصا ما تزال منغرسة في معدته وأنا أبكي من الألم.
طارق سعيد
كما تعرفون فأنا لا أحسن القيادة وبيتي بجوار مبنى الإدارة، وذلك اليوم خرجت إلى صلاة الفجر فوجدت شخصا يقترب مني مادًّا يده بمفتاح لباب أو قفل.
– خذ هذا المفتاح ..
أخذته بعد تردد. ذهب عندما اعتقدت أنني أعرف أخاه الصغير. ومن دون أن أكترث بالموضوع، وضعت المفتاح في جيبي وصليت الفجر. أفطرت في البيت وأنا أتحسس المفتاح في جيب الثوب السفلي دون أن أخرجه وأتيت إلى العمل. كان هذا قبل سنة ونصف وإلى اليوم وأنا أبحث عن المفتاح..!
علي الكيس
أكره الصحراء ولا تعجبني كثيراً تلك الرحلات المدرسية التي كان الأستاذ سعدون مدرس الجغرافيا ورئيس الأنشطة في المدرسة يمنينا بها كل سنة. ولكني كنت دائما أشاهدها في أحلامي والشمس تكاد تمزق الأرض بحرارتها وأنا في وسطها أبحث عن قطرة ماء. كانت الحرارة تشل حركتي وتجفف حلقي. ولكن من بين السراب وجدت قرشاً معدنيا لامعاً. قبضت عليه بقوة وأنا أكاد أطير من الفرح. ابتعدت كثيرا عن الصحراء وعن الشارع العام ثم انزويت في ركن الزقاق في طرف الحارة وأخذت أقلب القرش بين يدي. وعندما نهضت من الفراش أخذت دشا بارداً وركبت سيارتي وأتيت إلى العمل دون أن أجد ذلك القرش.
خروج
دخل المدير غرفة الاجتماعات وكان الليل قد انتصف، والإعياء يبدو على الوجوه. وزع المظاريف المغلقة على الأربعة دون أن يتكلم وخرج. أخذ محسن دوير يتحسس أذنه اليمنى فقد بدأ يشعر بألم حاد في طرفها. ونظر علي الكيس إلى طرف الطاولة حيث كان يضع يده فوجد القرش يلمع في طرفها. ومع نهوض طارق سعيد لاستلام ظرفه سمع صوت ارتطام مفتاح في حافة الطاولة فلم يدخل يده في جيبه وأخذ يتحسس ذلك المفتاح من الخارج.
أمسك كل واحد منهم بظرفه وفتحه وأخرج الرسالة. أخذوا يتطلعون إلى الخطابات دون أن يتكلموا. وضع أحمد بن أحمد الخطاب في منتصف الطاولة وهو يضع يده على معدته من الألم وتبعه الآخرون وهم في ذهول ثم نظروا إلى بعضهم بعد أن رصت الخطابات بعضها بجوار بعض. لم يكن فيها أي حرف مكتوب. أخذوا في الخروج من الغرفة الواحد تلو الآخر تاركين الخطابات البيضاء خلفهم وهم محنيّو الظهور، ولم يقفلوا الباب …

