ممر داخلي طويل معتم في غرفة قديمة

يتكلم منذ زمن

منذ زمن بعيد .. أسمع.

خطواتٍ تأتي

ولكن ..

.. لا تصل

عبدالله السفر

دخلت الغرفة الواسعة جداً. كنت متعبة من نفسي ومن أشياء أخرى لا أتذكرها. ورغم ذلك عندما رايته جالساً على المقعد في الزاوية تقافزت أجنحة كثيرة في عروقي .. تصلبت بعض أنفاسي واستعدت كثيراً من نشاطي النسائي. كان يبتسم بلا صوت. وكانت رغباتي في القيام بما يريده كبيرة. فبدأت كلماته تنقلني فيما بينها عندما بدأت تخرج من فمه الجاف

– كنت في الطائرة عندما لامست عجلاتها أرض المطار. وكأني كنت في تلك الجزيرة التي أتخيلها دائما. لم تطأها أقدام سوى قدميَّ. عندما أراها أنسى أنني قد عشت قبل ذلك .. الماء الذي حولها .. أشجارها .. كل شيء فيها جميل وأستطيع القول إنها .. آه تذكرت .. لقد قال الدكتور في إحدى زياراتـه لي بعد أن سمع حديثي عن الجزيرة

– إن جزيرتك التي تتحدث عنها سوف نعرفها عندما نراها… !!

قبل أن تهبط الطائرة كدت أن أيأس من هبوطها على الأرض فقد كانت المسافة طويلة .. طويلة جدا.

واقفة أمامه في طرف الغرفة وقد أعدت النظر إليه مرة أخرى بعد أن سرحت قليلاً في الغرفة المعتمة. كان مرتكزاً في الزاوية كعمود متهالك من الخشب. كنت أرغب في تُعريفه بما أستطيع عمله. أي شيء مهما كان فقط من أجله. لم ارغب في الجلوس والتحدث معه، أريد أن أقوم بخدمته .. زادت حيرتي كثيراً عندما لم يطلب مني شيئا. عاد يقلِّب نظراته في صدري المنتصب. خيل إلي أني سمعت هدوء صوت محركات طائرته فتابع

– تطلعت حولي .. لم ترق لي ابتسامة الجميع المتفائلة .. فاندفعت أقهقه بينما أعينهم من حولي تستفسر؟ سألتني المرأة التي بجواري مبتسمة

– ماذا .. أرأيت ما حدث ؟

– ..

لم أبدِ اهتماماً بإجابتها فلم يكن لدي شيء أقوله ثم إني لم أر ما حدث. تقدمت من باب الطائرة .. نظرت إلى السماء. هناك بعض السحب تزينها. كانت فكرة الصعود إلى السماء ترتفع في تفكيري فهززت رأسي وتمتمت

– سوف أجد وسيلة أصعد بها يوما ما.

كُنت أُحدق فيه. أحاول أن أراه. وهو يبتسم بصمت كانت عيناه تتطلع إليّ مرة والى خاتم في يدي مرة أخرى. كان خاتماً ذا فص كبير أهداني إياه أبي -منذ زمن- وما زلت البسه إلى اليوم وأتباهى به كلما سنحت الفرصة لي. افرك يدي أمامه وهو -في زاويته- غارق في ابتسامه محنطة يخرج من بينها صوته مكملاً

– كنا قد انتظمنا في صف طويل يمتد -كأفعى ضخمة هلامية- في ممرات الطائرة. عندما وصلت إلى باب الطائرة ظللت أنظر إلى الهواء الذي أمامي بعمق متناسيا بطئ وجميع من خلفي.

عدت إليه في زاويته الساكنة وكأن المكان أكثر ظلمة .. أحاطتني أشياء مخفية غير مرئية. أحسست كأنها شياطين تجرحني فتنزف الدماء من يدي.

يحدث هذا بهدوء شديد وكأنني اعمل في مكان خال. سألته أن يساعدني ويعطيني بعض من قطع الشاش حتى أوقف النزيف. بتثاقل مدّ يده اليمنى بالشاش فوضعته على الجرح .. أحسست –مرة أخرى بجرح في يدي اليسرى .. عندما نظرته كان خدش بسيط لم يخرج منه دم. أخذت اطمئن نفسي مرتجفة.

أمامي جدار قاتم أعلاه باب بارتفاع قليل ربما هو الباب الذي تدخل منه شياطين أحس بوجودها فقط. أخذت أدعو الله أن يخلصنا منها. قرأت المعوذتين بلغة الأخرس المتبلة. كان لساني ثقيلا أكاد الفظه من فمي. ورغم ذلك كنت أدعو بقوة.

تنحنح فسعل بشدة ثم اخرج قليلا من البلغم في منديله القطني ونظر إليّ مشيراً إلى مصراعي النافذة الخشبية القديمة. أسرعت إليهما ودفعتهما إلي الخارج. أغلقت عيني أمام ضوء النهار المبهر. كان صوته يصلني من زاويته وأنا أصارع الضوء .. بدا كأنه يحكي شيئاً جديداً

– كنت في تلك المدينة أجلس خلف الطاولة الخشبية انتظر عامل المقهى. كانت طاولة مستديرة ومتسخة قليلاً. في الزاوية كانا يتهامسان باهتمام شديد أتعجب منه. مددت رقبتي ببطء وأخذت أرهف السمع علها تصلني بعض كلماتهم

– …

– .. لا .. لا كان المقهى مليئا بالرواد و كانت صيحاتهم تتعالى لتغطي على كلَّ الخطوات. وضع عامل المقهى كوب الشاي أمامي وانصرف. وضعت مرفقي على الطاولة وأمسكت بكوب الشاي باحثا عن الدفء وأخذت رشفة منه. أحسست حرارة الشاي تنساب في حنجرتي فتبعث شعوراً دافئاً تحت جلدي البارد. أطلت النظر إليهما بتمعن لا أدرك بؤرته. تتابعت رشفاتي بينما كانت الأصوات مستمرة في همهمتها .. خرجا فأسندت ظهري متعباً ..

لم افهم ما ذا يقصد؟ تراجعت قليلا أمام الضوء النهار وأنا اظلل عيني بمرفقي الأيسر. تطلعت إليه وحاولت أن أستفسر ولكنه أمسك كرسيه المتحرك وأكمل هامساً

– عددتُ درجات السلم وأنا أقف في قمته وجدتها خمس عشرة .. أعدت العدَّ من الأسفل فلم ينقص العدد ولم يزد بل ظل ثابتاً. والدتي دائما كانت طليقة الوجه عندما أراها. لا أدرى أين ذهبت ذلك اليوم .. عندما عدت شعرت بدفء صدرها ينتشر حولي. كُنت صغيراً لم أتجاوز العاشرة. كانت دائما تبكى عند رأسي وأشعر بقطرات دمعها فوق رأسي و الذي كنت أحب –دائما- أن يكون أصلع. لم يكن أحد يغضبني في البيت .. فأنا لا أريد كل الأشياء .. فقط أحب أن أصعد وأهبط درجاً إلى موصلا إلى الطابق الثاني .. هكذا دائماً أصعد وأهبط. لم أكن أهتم بالألعاب التي كان يحضرها لي أبى بل كنت أعطيها لاخوتي. عندما نزلت أول درجة سمعت صوت (الدكتور) يتردد في أذني

– قبل أن تضع قدمك أنظر..

للمرة الثالثة يعيد كلماته منذ أن عاد قبل ثلاثة اشهر. اعتدت على تصرفاته المتكررة فالزوجة يجب أن تصبر وتتعود على الزوج هكذا تعلمت. ولكنني الآن أشعر انه بدأ مرحلة خرف لن أستطيع احتمالها مهما بلغت ثروته المنتظرة. تابع دون أن يجيب على تساؤلي

– أرى أنه لابد من النزول درجة أخرى. في هذه الدرجة تزودت بهواء نقي فأنا أعرف أن الهواء على الأرض سوف يكون أقل نقاء من الأعلى. أنا لم أعرف ذلك من تلقاء نفسي ولكن (الدكتور) قال لي ذلك عندما كنت أحب أن أنام تحت السرير ..!!

عشر سنوات من الزواج المفرد دفعتني إلى الكثير من الحماقات الهاتفية والخطوات المرتجفة في الأسواق واللقاءات المستترة في المستشفى. تتبعت الخطوط المرسومة على الستائر إلى أن وصلت إلى رأسه الأصلع وخصلة متبقية من شعره الأبيض الناعم .. تابع

– عندما لامست قدمي الدرجة الخامسة حاول احد ما خلفي أن يشعرني ببطيء نزولي.. نظرت إليه قائلاً

– آسف..

– … ..

لم أرغب في سماع الجواب بل تابعت نزولي ووصلت إلى الدرجة السادسة. لم يكن أحد من ركاب الطائرة يهتم بنزول سلم الطائرة غيري. إن أهم شيء في السفر بالطائرة، نقطة الاتصال التي تقصر المسافة بين الإنسان والأرض، إنها هبوطه السلم. عندما كنت أعلى السلم شعرت أنني بدأت السفر. الدرجة السابعة كانت نهاية النصف الأول من السلم إنها النصف الأول من الطريق الموصل إلى الأرض. كانت الدرجة الثامنة في منتصف السلم. في الساعة الثامنة من اليوم الثامن في الشهر الثامن سرت في المنزل رهبة الموت. كان حادثاً أودى بحياة أمي و أبى و أخي. عندما علمت ذلك ضحكت. ضحكت حتى بكيت. وبكيت حتى ضحكت. لم أكن أعرف أن الموت قوياً وقاسياً. بعدها أصبحت كالغريق الذي يمسك الموت ليعيش. لا أدرى إلى اليوم كيف حدث ذلك. سألت أبى لم يجب.سألت كل شيء فلم أجد الإجابة. بعدها قررت وضع الإجابة بنفسي. سمعت صوتاً خلفي يقول

– ماذا لو أسرعت .. ؟

لم أجب بل نحيت جانبا.. ونزل ..؟

فوجئت بعدد الدرجات المتبقية من السلم. إنها أربع درجات. وأنا على الدرجة الحادية عشر. كيف تم ذلك..؟ عندها قفزت ثلاث درجات دفعه واحدة كدت أن أقع ولكني أمسكت بمن قبلي .. وقلت له

– أسف .. !

أجاب بضيق

– لم يحدث شيء .

كانت آخر درجة في السلم وبذلك أنهيت الرحلة .. أنهيتها عندما لامست قدماي الأرض

– آه

انتزعها من حنجرته .. صرخة عالية أخرجها من جوفه المقهور ورماها في داخلي. مللت من وقوفي بدون داعٍ فخرجت من الغرفة بسرعة كبيرة حتى أنني لم أتأكد إن كان موجوداً أم لا …