تمتم وهو يتطلع إلى الأفق ” لابد وانك تعبت كثيراً”.
لم تتدفق الكلمات من فمي –كعادتها- بل بادلته النظرات وكأنه لم يقل شيئاً. الهواء حولنا ساكن والأصوات تبدلت إلى هسيس أشجار جافة قادم من بعيد.
تململ في جلسته وكأنه راغب في الكلام، فتح فمه ثم توقف ونهض وغادر قبل أن اسمع شيئاً. جلست أتتبع وقع أقدامه المبتعدة حتى اختفى. كان صديقي نهم للكلمات فمنذ أن يستيقظ إلى أن ينام وهو يتكلم. وأنا أخذت هذه العادة منه. عندما كنا طفلين صغيران بملابس بيضاء مزينة بـ”الدانتيل”.. تقدمنا لنتكلم أمام مدرس الصف الأول الابتدائي لكنه ابتعد وكأنه لم يسمع شيئاً.
كنا طفلين .. طفلا أول -صديقي- يبدو شاحبا مصفرا وكأنه مريض .. وطفلا ثانٍ –أنا- أسمر البشرة يتقد حيوية ونشاطا لمخارج الحروف.
منذ ذلك اليوم أصبحت الكلمات شيئاً يشبه المتعة اللزجة تتدفق من فمي وكأنها مكتوبة على شفتي منذ سنين. اشعر بها تندفع إلى الطرق والأرصفة والآذان بسهوله وبلا حرج من نظرات التذمر التي تطلقها عيونهم.
رأيت حرجي مرة واحدة كانت أسرتي تنتظرني على شاطئ البحر عندما دخلت بقالة لأشتري بعض أنواع العصير. كنت حافي القدمين وارتدي بنطالاً ازرق طويلاً. رأيت صديقي وأخاه الأصغر .. كان أخوه الأصغر يريد أن يعطي البائع نقوداً لكن النقود سقط منه على الأرض واختفت تحت قدمي. طلب مني صديقي أن أعطيه النقود. أعطيته النقود ثم رأيته خارجا من البقالة وهو يضحك. عندها عرفت انه لاحظ الإعاقة الخفيفة في قدمي.
صديقي هذا كان يستمع إلي وأنا أتكلم بطريقته الفجة و العجيبة في الحديث عن مواضيع كثيرة. صوتي يرتفع كثيراً في مواقع وينخفض في مواقع أخرى وكأنني أحاكي طريقة غريبة لرجل يتكلم.
لم يكن حديثي عن شقاء أو تعب أو عن أية معاناة .. فقط أتكلم لمجرد الكلام. لم ألحظ سكوته فقد كنا دائمي الكلام دون أن نترك لبعضنا فرصة السكوت. لكنه اليوم استمع لأربع ساعات.
تردد صوته في الأفق ” لابد وأنك تعبت كثيراً “.
إجابته أذهلتني .. وخطواته الرتيبة أرعبتني .. ومع اختفاء صوت خطواته خيل إلي أن أنفاسي قد توقفت.

