غرفة معتمة فارغة وطاولة صغيرة في الزاوية

في المنتصف

الظلمة تتوسط الغرفة المربعة. في الزاوية طاولة صغيرة .. على الطاولة زهور استحالت إلى خيوط طويلة ملساء جافة.. بدت الطاولة وكأن شعرا خشنا قد استطال منها ملقيا بعض الوحشة على الضوء الشاحب حولها.

كانت الطاولة بعيدة عني مسافة خوف، فلا أستطيع التقدم لأتأكد إن كان لها فعلاً شعر جاف وطويل.

كنا نقف أنا وأخي الأصغر في منتصف الغرفة. حاولت أن أمسك بيده، كان هادئا لا يرتجف.

من شقوق النافذة الخشبية، يتسلل ضوء الشارع إلى جدار الغرفة المقابل لي فيوحشها اكثر مما يضيئها.

تلفت حولي مرتعبة، شعرت أن نظرات تترصدني من الركن. كانت عينان مفتوحتين على اتساعهما. بدتا زجاجية، جامدتين، لا تتحركان وكان الضوء الشاحب يعطيهما رعباً اكبر.

كنت أجاهد خوفي. لا أريد أن أبكي. شعري المخشن تناثر في الهواء. أتذكر المقص الذي قصصت به خصلات شعري عندما كنت في السابعة كان حاد الأطراف. يحدث صوتاً عندما أقص الشعر. كثيراً ما كنت أستمتع بصوته (الحاسك). كان العقاب قاسيا. أرى الآن وكأن العقاب ماثلا أمامي، عصا غليظة من العزلة تتمسك بأيامي.

لم أحاول الاقتراب اكثر، كانت أنفاسه تقترب مني. شددت القبضة على يد أخي المتماسك كالأموات، ويدي الأخرى مددتها إلى السكين .. أمسكت السكين بقوة. ترددت قبل أن ارفعها. لم تكن طعنة مزقت بها تلك العيون، بل ألما أطلقته من يدي وغرسته في جسده الدافئ .. أطلق صوته المكتوم .. تسارعنا إلى الخارج نستبق أنفاسنا.

هززت رأسي طاردة هذه الذكريات ولكن الظلمة لم ترحل. كان الليل في بدايته وأمامي كثير من الوقت قبل أن يتقدم النهار.

في منزلنا القديم غرف كثيرة فارغة تنتظر الحجاج. كنا، كأهل مكة، في الحج يؤجر أبي البيت ويقبض الثمن. بعد أن ينتهي الحج نكون مرهقين من ترتيب العفش وإعادة كل شيء إلى موضعه.

لا اعرف لماذا أتذكر هذه الأشياء كلما دخلت هذه الغرف المهجورة.

عندما غرست السكين بين عينة الصغيرتين شعرت بعظمة رأسه، كما سمعت احتكاك السكين و انزلاقها إلى رقبته بسرعة مذهلة. كان قطاً كبيراً على طاولة الركن، رأيته عندما فتحت النافذة في اليوم التالي. أخي لن يتكلم فهو أخرس. هذا الظلام اللعين يحيط بي منذ أن توفى والدي وأراه اليوم يزداد وكأنه يتذكر معي الخوف.