عمود لوحة إرشادية وحيد على طريق صحراوي تحت الشمس

المعدن وبياض الحجارة

السيارة مكيفة والشمس في وسط السماء وأنا خلف المقود أتطلع حولي بكسل. أحسست بارتكابي جريمة قبل قليل، وأحاول –الآن- تهدئة انفعالي بقيادة السيارة بتمهل على الطرقات. لم تكن جريمة سهلة، فالقتل لا يعني لي شيئاً بقدر ما ترغمني فيه لحظة الموت بالسكوت.

بجوار عمود لوحة إرشادية لاحظت لحماً متكوماً وملتصقاً بالعمود. اقتربت من العمود فتبين لي شخص مرتكز عليه. كان بلا ملامح واضحة. اكتسى وجهه بالشعر. كانت ملابسه متسخة ومهترائة.

أوقفت السيارة ونزلت استطلع الأمر. كانت المنازل بيضاء حولي وهادئة كما كانت مستسلمة للشمس بلا صوت. أتربة بيضاء ملتصقة بحذائي عندما وضعت قدمي قربه. شدد قبضته على عصاه وحاول النهوض فخانته قواه. كان يزحف ببطء فيثيراً بعض الغبار الخفيف. عندما اقتربت منه بدا وكأن الهواء حوله يحترق لتنتشر حوله رائحة العرق الحامضة.

– هل تريد مساعدة؟

– …

لم يجب بل بدا وكأنه لا يسمع، فقط عيناه تتطلع إليَّ بحيْرة. مسحت قطرات العرق من وجهي. انحنيت مقتربا منه.

– هل تريد أن أوصلك إلى منزلك؟

– …

بدا سؤالي مضحكاً عندما رفعت رأسي وبدأت أتطلع حولي طالبا المساعدة. حدث ذلك لا شعورياً فقد كنت أرغب في الحديث مع شخص يوضح لي الموقف أو يشاركني الحيرة.

مد يده البياض من تراب الشارع. ارتجفت عندما فتحها عن عملة معدنية لامعة لا تتناسب و وضعه تحت الشمس بجوار ذلك العمود الساخن. كانت القطعة المعدنية الصفراء تلمع بوهج حاد عندما سمعت صوته يخشخش بجوار أذني فبدا لي كأنه يقول

– خذ هذه القطعة النقدية إنها تساوي مبلغا كبيراً ..

– …

كانت نظراتي تركز بشك كبير في عينيه المتعبتين. انحنيت أكثر راغبا في اكتشافه. لم يكن نظيفاً، اكتست ياقة ثوبه بسواد العرق الساخن. بدا وكأن عرقه الحامض قد أطلق روائح صفراء في الهواء .. توقفت عن الاقتراب محاولاً الاستماع إليه

– خذها لا تتردد ..

– …

شعرت بان ترددي واضح بعد أن نظرت إلى القطعة المعدنية في يده. أخرجت زفرة من صدري فالشمس فوقنا تكاد تحرق ملابسنا. قطرات العرق بدأت تتساقط على الأحجار الصغيرة الساخنة ولا تكاد تصل حتى تتبخر بسرعة، و لا يبقى منها غير ملح يزيد الحجارة بياضاً قاتماً. نظرت إليه مرة أخرى بلا هدف.

تذكرتها. كنت أقف معها في منتصف الرصيف نراقب واجهة أحد الأماكن التجارية. كان تعرفي بها قصيراً. مكالمتان ثم تواعدنا وتلا قينا في منتصف السوق. تبددت دهشتنا فأخذنا نتكلم في موضوعات كثيرة عندما تقدم إلينا رجل غريب لا اعرفه. من نظراتها إليه لا أعتقد أنها –أيضاً- تعرفه. بدت ملامحه غير واضحة وبدا الغموض يتطاير حوله. توقف أمامنا مباشرة. خاطبها دون النظر إليّ

– لقد بحثت عنك ولم أجدك !

– أنا لا أعرفك !

– أين كنتِ طوال هذه المدة ؟

– ..

– كذبتِ علينا ولم تذهبي إلى أي مكان ذكرته لنا.

– ..

– لقد بحثنا عنك في مكان ذكرته لنا ولم نجدك فيه.

لم اعد أتحمل الاستمرار في سماع ذلك الحوار فأنا لم اكن قد شفيت تماماً من نزلة برد قوية. انشغلت عنهما بالنظر إلى الأرض حتى شعرت أن الرجل بدا يقتنع بأنه مخطئ وأنها ليست الفتاة التي يبحث عنها. دخلنا (سوبر ماركت). لم أتحدث ولم تقل هي شيئاً. بعد ذلك صممت على إعادتها إلى المنزل بسيارتي العتيقة وعندما أقفلت باب السيارة كانت تنظر شزراً إلى المفتاح الغريب ذي اللون الذهبي .. كان المفتاح يحمل حلقات دائرية لا تتناسب مع كونه مفتاح سياره.

هززت رأسي وأنا افتح باب السيارة قابضا على القطعة النقدية. عدت إلى السير في الشوارع الساخنة. أدخلت شريط التسجيل وبدأ يتسلل الصوت ساحراً متهدلاً إلى يغطي الهواء بهالة مقدسة. لم أتحرك من مجلسي فقد تراخت أجزائي أمام الأنغام ولم اعد أستطيع مقاومة الترنح. كنت كمن تجمعت القيود بأطرافه وبدأ الطيران محلقا في سماء اللحظة. القطعة المعدنية نسيتها تماماً. استجديت الأشجار حولي بنظرات غائمة. الصدى يعيد لي صورتها بتيه بعيد .. بعيداً جداً.