لون الظلام

كتبت هذه المجموعة بلغة تختصر العالم في صفحة واحدة. عشرات القصص القصيرة جدا، كل واحدة منها تفتح نافذة سريعة على لحظة إنسانية خاطفة، ثم تغلقها قبل أن تستعد لها، تاركة في صدرك شيئا يشبه الدوار.

الظلام هنا لا يُكتب باعتباره خصما للضوء، يُكتب لونا له طبقات وعمق وحرارة تشبه حرارة الجسد. رجل يقذف بمرآته لتتكسر على صورته القديمة. امرأة تسير في العتمة بعد أن أطفأت الضوء عمدا. طفل يحمل أثر لمسة الملاك على جسده كله. عجوز تسحب عكازها فوق طوبة باردة بينما رائحة الحساء تلاحقها في الزقاق. كل مشهد يُبنى من تفصيلة صغيرة تحمل معنى أكبر منها بكثير.

الكتابة هنا لا تشرح، تريك. تضعك أمام صورة وتتركك تكتشف بنفسك ما تحمله من خوف أو رغبة أو حنين قديم لم تسمِّه من قبل. الجمل قصيرة ومكثفة، تتحرك بين الداخل والخارج بنعومة دون إعلان، والزمن فيها غير خطي، الماضي يسكن الحاضر دون أن يستأذن. النساء أطياف وحقائق في آن واحد، تقترب منك ثم تبتعد بلا سبب واضح. المدن تتراجع كلما اقتربت منها.

هذا فن القصة القصيرة جدا في أنقى صوره، حيث كل كلمة تحمل وزن جملة كاملة، وكل قصة تنتهي دون أن تُغلق تماما، تاركة العالم يتنفس بعد آخر سطر. اقرأها في جلسة واحدة، أو قصة واحدة كل مساء قبل النوم، وستجد نفسك تعود إليها كما يعود المرء إلى حلم راوده أكثر من مرة ولم يفهمه بعد.