إلى: أميل حبيبي يوم رحيله
تغضنت عيناه
وشُدت وجنتاه
وفتح فمه .. على اتساعه
.. ثم أطلقها مدوية
وانتظر أن يسمعه .. أحد !
من قطعة قديمة
.. و عاودَ الوقوف بجوار الباب ينظر إليهم وهم يحملون النعش ويخرجون به. تقدم أحدهم وقال كلمات لم تصل إليه. رفض أن يجلس أحد معه. ظل واقفاً إلى أن اقفلوا الباب خلفهم، ليصيح أحدهم بقوة
– وحدوه
فتدافعت الأصوات بعده هادرة
– لا اله إلا الله
اختلط وقع أقدامهم المبتعدة ببخور “المستكة” الحزين، لتعبق رائحته خلفهم مختلطة مع الهواء الرطوبة بعد الغسيل فيستحيل الضوء في “الدهليس” إلى رنين ساهم متباعد بين الجدران. أصبحت الأرض بعدهم تلمع ببقع الماء الصغيرة كما كانت عيناه تبحث بين تلك البقع عن مصدر الضوء القاتم. كانت هذه جنازة أمه (آخر من توفى أمامه). تشكلت له لوحات بألوان وأشجار كثيرة مصطفقه. تطلع إلى قدميه فاستطالت أظافره أمام عينيه كأنها تتحول إلى مخالب. هز رأسه ليتأكد انه واقف. تخاذلت قدماه فانساب جسده على الجدار ليقرفص ويضم ركبتيه إلى صدره. انفتحت أمامه المسافات وابتعد كثيراً عن دنياه الميتة وتركزت أفكاره في العناد. تقصف الزمن عندما كانت نظرات ثلاث تتشبث بأهداب الصورة كأنها لا تعرف مقدرتها على الإهمال تتطلع إليه دون أن يدرك لماذا ..؟ بدو له ثلاث أشخاص يمسك أحدهم بسلال مصنوعة من قش وقد تقرفص على جنب الدراجة الهوائية والأخر في نفس الوضع على الطرف لاخر فتتوازن الدراجة ذات الثلاث عجلات ويجاهد الثالث في المنتصف لكي يحرك الدراجة والتي ربما أصبحت الآن عربة صغيرة. تتحرك ببطء وسائقها يتمايل بين دفع الدراجة بالقدم اليمني واليسرى وبين النظر إليه من المنتصف.
أمامها تعود أنفاسي فتبدو النقوش الذهبية على صدرها و السواد المنسدل على نصفها الأسفل معلق بأبواب قصور فخمة. انتابني شعور بالعالم الآخر وأنا أمر أمامها ناظرا إلى دقة الصنع الممزوج بالصبر العظيم. رغم ذلك كانت تبدو لي متعالية كأسوار ممسكة بباب القصر. نظراتها المركزة وانفها المناسب لوجهها وشفتاها المفتوحتان قليلا تجعلني اشعر أنني دخلت القصر ووقفت عند بابه خائفا من أن أرى كل شيء.
لم تكن تتحرك كثيرا فقد توقفت اكثر من مرة ثم تحركت دون أن تنظر إليّ بل كانت تصعد إلى الدور الثاني ممسكة بسياج الدرج المذهب وتنظر أمامها صاعدة. كنت من طرف خفي أتطلع إليها، فكرت في الصعود خلفها؛ لكني توقفت عندما أدركت أنني في وسط القصر مستندا على أحد الأعمدة في طرف صالة الاستقبال في الدور الأرضي..!
كانت قدماي تنقلني بين الطرقات بلا هدف ولم أتعرف على الطرق إلا والسكون يحيط المكان من جميع المنافذ حتى زقزقة العصافير التي اعتدت سماعها عند نهاية النهار قد انقطعت. لم يعد يُسمع شيء سوى زفرات ذلك الشيخ الذي يدلدل قدميه على طرف الجسر.
كان الجسر شبه متداع وفي حالة يرثى لها رغم أن خشبه من شجر بلوط ضخم مصفوف بإحكام شرخه الزمن.
كان الشيخ يغط في نومه غير مبال بما حوله من الرغبات. لقد كان خدعة ملفقة من شخص لا يعرفه.
أفاق من غفوته على أنات الجسر تحت وطأة الأقدام التي تحمله. اقترب منه. حدجه الشيخ بعينيه مستفسراً عن مروره على هذا الجسر بعد أن بني أقوى منه .. هناك.. خلف الظلام. اقترب أكثر حتى لم يعد شيء يفصل بينهما. جلس إلى جواره بالطريقة بنفسها. نظر إليه شزراً. بدأ الحديث. أجاب الشيخ باقتضاب على جميع التساؤلات التي كان يراها تافهة. ويرى مخالب الكذب متغلغلة داخلها ..!
وبدون مقدمات تدافعت الحروف من فمه
– سوف أنتحر .. لكي أتخلص من هذه الحياة التي بداخلي قبل أن تتخلص هي مني.. !
أجاب الشيخ ببضع كلمات غير مفهومة.
– ..
وكأنه لم يسمع شيء تابع كلامه بقوة
– لن أدع أي شيء ينتصر عليَّ. على امتداد عمري لم أهزم في معركة واحدة .. مع المرض .. مع الموت مع أشعة الشمس .. مع رطوبة الليل .. مع قسوة البرد مع بَرَد الشتاء .. مع نفسي .. مع كل شيء. لم أهزم. كيف إذاً تهزمني. لا .. لا أنا الأقوى. أنا دخلت هذا العالم سابحا في بحر السحاب. في صحراء النجوم. رأيته يتوارى خلف أشعة الشمس. أردت الانتصار عليه. فقررت أن أغزوه. كسرت أشعة الواقع ودخلت إلى عالمه. لم يكن سهلا. كان قويا جداً فتحملت المواقف جميعها. ابتسم لي. لم أهتم بالابتسامة. على امتداد خمسة وثلاثين عاما وأنا في معركة. أخيراً انتصرت فيها. وابتسمت.
– تبدو أكبر مني.. ” تسأل الشيخ بتهكم”
– …
– .. ولكن .. ولكن أنت كاذب. كل الأشخاص الذين أتوا من قبل ذهبوا ولم يعودوا. كاذبون. أتوا بأقوال مجردة من المعنى. أنا لا أصدق أحداً غيره. إنه سيأتي يوما. غدا سيأتي .. بعد غدٍ .. بعد عام .. بعد ألف عام .. لا يهم .. المهم أنه سيأتي .. وأتحدث معه ..!
وبإصرار مبهم
– سأنتحر .. لن أدعها تهزمني .. سوف أتخلص منها .. ألان يجب أن أنتصر عليها..
وقذف نفسه في الماء ..
بدأ يختفي .. حاول الشيخ النهوض لكنه توقف .. خطوات كثيرة لأشخاص يبحثون عن رجل يعتقد أن موته إنتصار على الحياة. نظر إليهم الشيخ متسائلاً
– أهو مجنون ..؟
– ..!
– …
ببطء ابتعدت خطواتهم عنه .. دون أن يشعر…

