(قصتان قصيرتان)
تتكرر الأحداث .. وتتشابه ..
الصادقة منها .. والكاذبة.
وأقترب من الحقيقة ..
أقترب بشكل كبير ..
لدرجة أنني أجد نفسي ..
وبدون أن أعرف ..
أمام .. كذبة كبيرة جداً ..!
الاقتراب
مع انسلاخ الليل ببطء معلناً بداية يوم جديد من أيام شعب عامر بمكة المكرمة كان صوت المؤذن لصلاة الفجر يتردد في أرجاء الشعب وكأنه قادم من الحرم بشكل تسلل إلى النفس فانتزع سعيد البصيري من سريره انتزاعاً.
– يجب أن يكون الماء بارداً قليلاً كي لا تصاب بالبرد
ودون أن ينظر إليها انطلقت الكلمات مختلطةً بأنفاسه الناعسة ونظراته المتيبسة
– أعرف .. أعرف هذا لا داعي لأن تذكريني به كل فجر ..
– أنا خائفةٌ عليك من أن ..
نظر إليها مقاطعاً وقد ازدادت رغبته في قفل الحوار بشكل لا يعكر عليه صفاء يومه.
– وأنا أخاف عليك أيضاً.
– …
كانت تنظر إليه متعجبة منه هذا اليوم وقد ظهرت عليها علامات العجب والرغبة في الكلام.
– لقد كانت أياماً .. رحمها الله ..
برودة المنسابة من “البزبوز” تجعله يحاول أن يتدبر أمره بسرعة كيلا يطول الوقت.
– جميع الناس لديهم مغاسل عالية .. يجب أن نقوم بتركيب حوض .. يجب
وكأنه يتذكر أنه لا يري تقريباً
– آه .. هذه العينان .. أين ذهبتا ..؟
أخذ سعيد البصيري ينشف يديه ورأسه بمنشفة زرقاء لا يتذكر متى اشتراها.
صوت الكلاب مازال يتردد من بعيد، فأخذ يفكر عن مدى جدوى حملة البلدية لقتل الكلاب الضالة.
– كأنهم لم يقتلوا أي كلب ..!
مط شفته السفلى وأخذ طريقه إلى المسجد متدثراً بالكوت الأسود القديم وسط هبوب نسمات الفجر الباردة.
– برد مكة يقص المسمار.
وفي دخيلة نفسه أخذ يردد كأنه يخاف أن يسمعه أحد “فما بالك بجسمي الضعيف”.
أقدامه تتخبط بالعلب الفارغة المنتشرة في الزقاق، تلك العلب التي تضايقه من حين لآخر.
– آه .. أنا أموت، تقدم لا تخف.
كان جسمه محنياً وهو متكئ على عصاته ورأسه يبحث -مستعيناً بنظره الضعيف- عن مصدر الصوت.
– أين أنت ..؟
– .. آه .. هنا .. بجوار الكلب .. !
بدا التردد واضحاً في عينه وممزوجاً باستغراب
– من أنت ..؟
– .. آه .. آه ..
الآهات تُصدر ببطء، وبصوت منهك تسرب إليه وهو ممسك بعصاه مما جعله يقترب من الرجل الملقى على الأرض.
– من ..؟ .. ماذا حصل ..؟ أقصد من الذي أجلسك على الأرض ..؟
كانت الكلمات تسمع متعثرة من فمه مختلطة ببرودة الفجر
– آه .. لا أدري من أطلق النار .. ولكني متأكد من أن لديه أسباباً كثيرة .. آه ..
– …
– أنت تعرف من أنا .. آه .. الآن
– .. لا ..!
قالها بشكل عفوي ومباشر ولكنه شعر بأنه قد أخطأ
– آه ..
– أقصد نعم .. نعم أعرفك
الظلام لا يعطي الفرصة لضوء عمود النور في الشارع بأن يتسلل إلى ذلك الوجه الملقى على الأرض.
– آه .. يا سعيد أرجوك ..
– ماذا تريد ..؟
أنفاسه متلاحقة وهو ملقى على الأرض ورائحة الكلب الميت تنجس الهواء
– أرجوك .. اقتلني
– ..!
– اقتلني .. أريد أن أستريح .
– سوف أنسى ما فعلت معي.
– لا .. آه .. اقتلني .. فلن أنسى أنا.
لم يجب .. لم يدرِ ما يقول فهذا الذي يراه تقريباً ميت.
– لا تتكلم ..
– آه ..
تلك الآهة كانت قوية فلم يعد يسمع أي صوت سوى نسمات الفجر التي تداعب طرف ثوبه.
عن بُعد
ومع أن هذا قد حدث بعد خمس سنوات إلا أن جميع أهل شعب عامر بمكة المكرمة يتذكرون تلك الليلة.
كان إصرار المشيعين على إيصال الجنازة إلى المقبرة يختلط بروائح التراب الرطب المنبعثة من الأرض.
– وحدوه
– لا اله إلا الله
– يجب أن نقف في أول دهليز نراه مفتوحاً
– لماذا ..؟
– ألا تري، لقد أصبحنا نحمل نعشين وليس واحداً .. وملابسنا قد اتسخت بالطين ..
وارتفع صوت آخر:
– قد نجد المقبرة مقفلة.
وصوت نحيل من أحد أركان النعش:
– وقد يسقط النعش .. فالشوارع مبللة ..
كان العمدة يتوسط المشيعين مما دعاه إلى أن يتكلم بما يشبه إنهاء الموضوع:
– يا جماعة إكرام الميت دفنه
صوت من بعيد يتسلل من بين حبات البرد .. سمعه الجميع مختلطاً بالماء.
– وحدوه
ردد الجميع بصوت واحد وكأنهم مصرون على المتابعة:
– لا اله إلا الله.
كانت السماء قد تركت سحبها تهوي على المشيعين وهم يغذون السير ومصرون على الدفن.

