أتشقق من العطش ..
في شمس ذلك الليل
وأاقترب من الماء كثيراً ..
كثيراً جداً
لدرجة أنني أجد لساني يلعق التراب ..!
من قصيدة متحجرة
مثل تلك الجلود النمرية المرقطة اكتست فانلته (أبو عسكري) ببقع الطين. كانت مصفرة من العرق. بالنظرات الميتة ينظر إليهم وهو يقف وسطهم. كالليل أسود تميز شاربه الابيض بوضوح، ولم يكن حليق الذقن. في حدود السبعين سنة ويتمتع بقوه جسدية كبيرة، تذكر أهل شعب عامر بأبيه المارد الأسود كما كانوا يطلقون عليه.
– ..
كان هذا في الساعة الرابعة عصراً، وبالقرب من فتحة البئر الجافة، وهم مجتمعون منذ صباح ذلك اليوم.
أكثر من أربع سنوات لم يقترب أحد من البئر غيره. فقد كانت البئر تتوسط الجهة الشمالية من شعب عامر.
ومنذ صباح هذا اليوم كانت النوافذ مفتوحة والرؤوس تظهر منها ثم تختفي بعد أن تتعب المتابعة.
المتحلقون حوله لم ينقصوا بل كانوا كما هم، قرابة العشرين، يذهب أناس ويأتي آخرون وهم صامتون.
يقتربون أكثر منه وهو ينظر إليهم دون أن يتكلم. قدماه المتشققتان والمتربتان متباعدتان.
لم يكن يعرف أن صرخته في منتصف الليل ستربك شعب عامر بأكمله. لقد سقطت عند قدميه في تلك الليلة.
– آآآآ ه …
صرخته كانت مدوية. كل أطراف الليل الجاثم على شعب عامر اهتزت لها بعنف.
كانت تقف على حافة البئر، الصخرية العريضة والمرممة، والهواء في منتصف ليلة البارحة بارد.
قبل أن تسقط بجوار قدمه كان واقفاً في قاع البئر المتيبسة ومن الأسفل ينظر إلى حافتها.
كان عندما يدخل شعب عامر قادماً من الحرم وينعطف يساراً يجد البئر، بفتحته الحجرية القديمة.
تشجع أحد الواقفين في الخلف وبدون أن ينظر ارتفع صوته
– ماذا في داخل البئر يا عم سمعون..؟
– ..
مع الأيام أصبح الحمام فقط هو الذي يستطيع أن يشرب من البئر وهو يقف حارساً على حافتها.
منذ خمس سنوات بدأ في دفن حمام (رب البيت) في جدران البئر من الداخل. يأخذ الحمامة الميتة ويدفنها بيده.
بعد أن مات بستة أيام، كل أهل شعب عامر شاهدوا ذلك الطائر الأسود الضخم وهو ينطلق من فوق البئر.
الأطفال مازالوا يتقافزون بوجوههم المشدودة وأعينهم الواسعة ويتطلعون إليه بين الحين والآخر.
– يا عم سمعون ماذا في البئر..؟ تكلم ..
– …
– لقد سمعنا صوتاً يصرخ في الداخل ليلة البارحة. لماذا لا تنزل وترى..؟
ومن بين الأسنان البيضاء الثلاثة المتبقية تحركت الكلمات ببطء
– لا أستطيع .. أريد الشرطة ..
– …
وبعد صلاة المغرب حضرت الشرطة بعد أن أرسل العمدة في طلبها. نزل إلى أسفل البئر. وضع الفتاة على كتفه وتسلق جدار البئر ساحقاً بقدمه رأس حمامة ميتة في قبرها المفتوح. وعند حافة البئر أطل وأخرج الفتاة الدامية ووضعها على الأرض ووقف ينظر إليهم. لم يسمع صوت الإسعاف. ولم يتكلم كثيراً مع المحقق. وأُفرج عنه بعد أسبوعين ليعود إلى مكانه القديم يـبعد الأطفال الصغار ويمنع ردم البئر ..

