تقدمت لكي أفتح باب الحجرة. هذه الحجرة التي لم تفتح منذ خمسة عشر عاماً. نعم منذ خمسة عشر عاماً وهي مغلقة. جميع من في المنزل يترقبون هذه اللحظة. ماذا بداخل هذه الحجرة؟ قِيل لي:
– عندما كُنت صغيراً وحينما توفي والدك أوصى الجميع بألا يفتحوا هذه الحجرة وقال بالحرف الواحد:
– ابني هو الذي يفتحها بعد خمسة عشر عاماً ..
عندها كان عمرك عشر سنوات والآن أصبحت رجلاً. ما أسوأ هذه الكلمة “رجلاً”. ما معنى أن يكون الشخص رجلاً؟ لستُ أدري. هذا ليس مهماً. المهم هو أن أبي -على ما سمعته من والدتي وأقاربي- كان عبقرياً. لقد كان يعرف ماذا يريد كل شخص قبل أن يتكلم. فقط عندما يرى تعابير وجهه. جميع من كانوا معه يعرفون عنه ذلك إلا أنا. فقد كان لا يعرف ما أريد حتى أقوله. كُنت بالنسبة له لغزاً لم يعرف له حلا، وقد قالت لي أمي مرة أنه قال عني:
– إنه أذكى مني ..!!
عندها ضحكت أمي.
جميع عائلتنا يعرفون أبي ويعرفون حجرته هذه. لا أحد يستطيع أن يدخلها حتى ولو للتنظيف إلا هو. وقد سمعت من إحدى عماتي أن أبي كان يشرف على بناء هذه الحجرة بنفسه.
عندما كُنت ألعب بجوار هذه الحجرة كانت أمي تبعدني عنها بالقوة كأن هذه الحجرة تشع ناراً تخاف عليّ منها. الغريب أنه لم يفكر أحد من أقاربي قط في أن يحاول فتحها. عذرهم في ذلك:
– الحفاظ على رغبة المرحوم ..
كما يقول خالي دائماً.
عندما أصبح عمري عشرين عاما وبدأت أفهم ما حولي بوضوح لم أسمعهم أبداً يتكلمون عن هذه الحجرة بحرية. دائما بالهمس وبالإشارة. الجميع مرعوبون من هذه الحجرة.
– تقدم .. ماذا بك ..؟ .. هل أنت خائف ..؟
هكذا سمعت صوت أمي يقول من خلفي. تذكرتُ لحظتها أن جميع أقاربي أتوا في هذا اليوم ليروا ماذا بداخل هذه الحجرة العجيبة. ألقيتُ نظرةً على وجوههم. حاولت أن أفهم ماذا يدور بعقولهم. كما كان يفعل أبي. أعدتُ النظر إليهم واحداً تلو الآخر. عرفت بماذا يفكرون. بلا شيء لقد كانوا مدهوشين. شُلت عقولهم. لم يستطيعوا أن يستعملوها.
قيل لي إن أبي في بعض الأيام ينام في هذه الحجرة إذا دخلها وهو غضبان. في يوم أتى من عمله وهو متضايق جداً. لم يقل أية كلمة عندما فتحت أمي الباب. ذهب رأساً إلى الحجرة وأغلق الباب ولم يخرج إلا في اليوم التالي وذهب إلى العمل.
– تحرك .. ماذا بك ..؟
لا أدري من قال هذا ولكني وددت عندها لو أني أستطيع أن أقول لمن حولي أنني لا أستطيع أن أتقدم
– لا أستطيع ..
وجهي لا يعبر عن شيء. يقولون لي هذا دائما. عندما أنظر إليه في المرآة أعرف أنهم على حق. لا يعرف المرء أنني أبكي إلا بالدموع. جميع عضلات وجهي جامدة لا تتحرك. لا أدري ماذا أعمل بنفسي..؟
– هذا أنا! .. نعم هذا أنا ..
هذه العبارة كان أبي دائماً يرددها.
أمسكتُ بالمفتاح. هذا المفتاح الذي بقي مكانه خمس عشرة سنة وكأن أبي يقف أمامه. لم يمس هذا المفتاح أحد. ولقد وضعت أمي ستارة على الباب تأكيداً على عدم استعمال هذا الجزء من المنزل.
حاولت أن أدير المفتاح. لم يتحرك. يبدو أنه قد صدئ من طول السنين. كررت المحاولة ولكن بدون أية نتيجة. أدرتُ أكرة الباب فانفتح بكل سهولة. علتِ الدهشة وجوه الحاضرين. تفحصت أعينهم. جميعهم خائفون.
ابنة عمي تراجعت قليلاً إلى الوراء بعد أن شهقت. دفعتُ الباب برفق إلى الداخل. لم أر أي شيء. كان الظلام محيطاً بالمكان. بحثت عن مكان المصباح الكهربائي حتى وجدته. أدرته. الضوء خافت نسبياً لكنه يصل إلى كل مكان بالتساوي. تقدمت خطوة إلى الأمام. صوت صرير الباب الصدئ وهو يفتح يبعث الرعشة في النفس. أجلتُ النظر في أجزاء الحجرة لم أجد أي شيء سوى جدران أربعة صماء مطلية بدهان أبيض تعلوه صفرة القدم وربما الموت. توجد طاولة في منتصف الحجرة وكرسي. لا يوجد على الجدران أي نوع من أنواع الأثاث. على الحائط المقابل للكرسي توجد هناك لوحة لامرأة في الأربعين. لا أدري من هي؟ قالت أمي عندما رأتها إنها جدتي .. والدة أبي. نظرتُ إلى الطاولة لم أجد شيئاً سوى ورقة واحدة مطوية. كُنت قد سمعت من أمي أن أبي قليل الكلام. يعمل أكثر مما يتكلم. قارنت هذا بنفسي وجدت أني أصمت أكثر مما أعمل. عندما أخذت الورقة وجدت تحتها ظرف أبيض. فتحت الظرف لم أجد فيه سوى بقايا أوراق محترقة. قرأت الورقة ..
ابني ..
الذي لم أفهمه وهو صغير .. أرجو أن يفهمني وأنا ميت.
أحرقتُ مذكراتي .. لأنها مفهومة بالنسبة لك ..
أبوك
لا أدري بماذا شعرتُ لحظتها ولكني أدرك أني فعلتُ شيئاً. خرجتُ من الحجرة وأخذتُ لوحةً مرسومةً لأبي وعدت. وضعتها مكان لوحة جدتي وأنزلتُ لوحة جدتي على الأرض تحتها مباشرة. طلبتُ من جميع من في الحجرة أن يخرجوا. أغلقتُ الباب. جلستُ على الكرسي. ونظرت إلى اللوحتين ….

