تتشابك وتترابط الأمور
فلا أعرف ..
هل أنا أتحرك ..!
أم أفكر ..
أم أنا موجود..!
نظر إليه بعينين فاحصتين ثم أردف:
– يجب أن تحصي عدد السيارات المتبقية التي تنتظر إصلاحا حتى يتم إغلاق الورشة.
لم يستطع أن يتقبل هذه الكلمات من أخيه رغم علمه الأكيد بأن نهاية الأمر لابد وأن تكون شيئاً مما قال ولكنه حاول أن يعطي لنفسه أملاً ولو بسيطاً في أن يكسب بعض الوقت.
– ولكن ألا يجب أن ننتظر ونمدد الفترة عدة أشهر ربما يتحسن الحال..؟
كان اعتقاد أخيه بما يقول كبيراً لذلك شعر بضيق من كلامه الذي لا يبدو أنه ذو فائدة خصوصاً في هذا الوقت.
– لا .. لا .. فالدائنون بدأوا يتذمرون وبعضهم هدد بتقديم شكوى إلى الحقوق المدنية. بل أعتقد أن بعضهم قد تقدم فعلا بشكوى. يجب أن تسرع في بيع أدوات الورشة قبل أن تجد نفسك في السجن.
– ولكن هذه الورشة ..
قاطعه وقد بدت الأعوام الأربعون تنضح خبرة وقوة. كان صوته حاداً ومرفوعاً لدرجة جعلته يلتفت إلى عامل الورشة الوحيد وكأنه يرى هل سمع ما سوف يقول أم لا؟! وبطريقة حازمة كأنه يهدده، خرجت الكلمات من فمه
– هذا لا يفيد الآن بشيء. يجب أن تتصرف قبل أن يفوت الوقت ولا تجد من يساعدك.
– أنا لا أريد مساعدة من أحد .. بل أريد ..
قاطعه مرة أخرى بتهكم.
– ولا أحد يريد أن يساعدك. فأنت الذي بدأ هذا المشروع وأنت الذي يجب أن تنتهي منه ..!
– لن أطلب المساعدة من أحد فلقد كانت لي أحلامي في هذه الورشة ولقد حققتها دون مساعدة من أحد ولن أنتظر أعين العطف لكي تتسلط عليّ.
– لن ينظر إليك أحد بما تعتقد. فكلهم لا تعجبهم تصرفاتك منذ البداية ..
قاطعه هذه المرة بعد أن صوب نحوه نظرات مركزة بها نوع من الاستغراب.
– كلهم! من هم هؤلاء الذين تتحدث عنهم ..؟
– أنا أخوك أحدهم وأبناء خالك وخالك وعمك و .. والقائمة الطويلة التي تعرفها تماماً. والتي كُنت أسوأ مثال لقريب ينظر إلى أقرباء. كلهم لا تعجبهم تصرفاتك تجاههم أو حتى تجاه نفسك.
– أنا لم أفعل شيئاً لهم. هم الذين يتصورون أنهم بأموالهم سيملكون العالم كله. قد يكون هذا صحيحا ولكن عندي أنا سوف يقفون أمام صخرة لن تتفتت.
تطلع إليه وكأن صبره قد نفد.
– ما هذا الذي تقول ..؟ من لوح لك بالمال ..؟ من ضغط عليك بأن تسمع ما يقال ..؟ أنت يا أخي تعيش في أوهام ولا تدري ما تقول..
– ليس هذا وقت الحساب العائلي ..!
وقد انبسطت ملامح وجهه. ومطلقاً تنهده بنفاد صبر.
– حسناً ماذا تريد أن تعمل الآن..؟
– أريد أن تبقى الورشة مفتوحة ..!
مستغرباً بشدة
– ماذا ..؟
وبإصرار طفل لا يعرف لماذا يعاند
– أريد أن تبقى الورشة مفتوحة .. ألا تسمع ..؟
احمرت وجنتا أخيه وفتح عينيه على اتساعهما مستغرباً
– بعد كل هذه الديون والمشكلات .. وتريد .. وتريد أن تبقي الورشة مفتوحة ..؟
– نعم ..
– نعم .. أنت مجنون ولا يفيد الكلام معك. سوف أذهب وأنت تتصرف كما يحلو لك ..!
أخذ يراقبه وهو يبتعد خارجا من بوابة الورشة وقد اتسخ ثوبه الأبيض من الكرسي الذي كان يجلس عليه. نظر بدون هدف إلى أرضية الورشة المزيتة وكأنه يحاول أن يجد بين ترابها، المختلط ببرادة الحديد وبعض الصواميل الصدئة، حلاً للمشكلة التي يعاني منها والتي سوف تعيده إلى البيت مرة أخرى إذا أقفل الورشة وكأنه لم يفعل شيء منذ سنة، بل سيعود ليستقبل نظراتهم التي لا يعرف لها معنى سوى التشفي أو ربما الإشفاق في أحسن الأحوال، مما جعله يزيد في إصراره على التمسك بالورشة وبشكل كبير.
رفع رأسه من الأرض وأخذ يتطلع إلى أنحاء الورشة الواسعة .. تأمل أماكن السيارات الأربع التي تتسع لها الورشة في وقت واحد. نظر في حنو إلى جوانب الورشة وقد رُصت العُدد والمفكات على جدرانها في تناسق جميل. ثم التفت إلى بعض المكائن الموجودة في ركن الورشة والطاولة التي تحول لون سطحها إلى السواد من الزيوت المحروقة والشحوم السوداء وقد تناثر عليها عدَد من المفكات وبعض الأجهزة المستهلكة لسيارات غير موجودة. كانت ثلاثة من مواقف السيارات خالية وتوجد سيارة واحدة فقط في الورشة. والعامل يحاول عمل بعض التغييرات العادية لها دون أن يلتفت إلى أحد. خرج من الورشة وهو يشعر بأن هناك عدداً من شعرات رأسه قد ابيض ولا يعرف كيف تم هذا؟ تحسس رأسه دون أن ينظر إلى عامل الورشة وهو يتطلع إليه راغباً في أجره ومطلقاً من عينيه عدة عبارات لم يصله منها شيء.
ابتعد عن الورشة متجها إلى المقهى المجاور وهو يتخبط بين أن يستسلم لما يقوله أخوه وبين ما يريد أن يفعل. حول نظره إلى الطريق واتجه مباشرةً إلى المسجد المجاور الذي كان يتذكره بين الحين والحين. نسي رغبته السابقة في الذهاب إلى المقهى. لم يكن الوقت وقت صلاة ولكنه شعر برغبة كبيرة في أن يصلي. وأن يسّبِح بعد الصلاة ويشعر بذلك الإحساس العجيب الذي يعتقد أنه الوحيد الذي يشعر به حتى أمام المدير بدائرة الأحوال المدنية وهو يقدم أوراقه لكي يعتمد التحاقه بالوظيفة. تذكر الموقف وهما يصليان الظهر متجاورين. كان يعتقد أن المدير لا يجد ما يشعر به بل إنه يؤدي الصلاة كشيء اجتماعي يجب أن يؤديه فقط. ومع شعوره العجيب بالراحة بعد الصلاة كانت الورشة تتراءى له كأنها بعيدة جدا لا يكاد يراها وقريبة جدا كأنه داخلها. لم يكن يشعر أنه من الممكن أن يتخذ أي قرار ولكنه مدرك أنه مصر على أن الورشة يجب أن تستمر. كان ملحاً لدرجة بدأت تغطي على شعوره العجيب. لذلك وجد نفسه يسرع كالهارب من المسجد. ومتحسساً رأسه ويشعر بانتفاخ في طرف رأسه الأيمن. كأنما أصيب بحجر أو أنه صدم رأسه بسقف السيارة عندما حضر أخوه اليوم. لم يعد يتذكر ولكنه يشعر بالانتفاخ وبدون أي ألم ..! قادته قدماه إلى الورشة مرة أخرى، وهو ما يزال يتحسس رأسه المتورم محاولا معرفة مدى ارتفاع تلك القرون الصغيرة ..! ومحاولاً أيضا أن يراقب نظرات الفضوليين من المارة وأصحاب المحلات التي في طريقه إلى الورشة عسى أن يكونوا قد لاحظوه وهو يتحسس رأسه. جلس على أول كرسي وجده في طرف الورشة. نظرات العامل المرسلة إليه في صمت يشعر بها تخترق شعره لتصل إلى القرون الصغيرة النابتة. لم يستطع أن يخفي خوفه من أن يكتشف أحد ما به. فأخذ يحدث نفسه بدون أن يسمع ما يقول.
– قد يكون لي قرون. ولكنني لا أريد أن يراها أحد. سوف أقصها عندما تطول قليلا، وأستطيع أن أسير أمام الناس من غير أن يكون هناك أي شك في أنني إنسان سليم مثلهم دون أي نقص أو زيادة. هذا عالم مجنون كيف أستطيع أن أعيش فيه ..؟ لا أعرف كأنني .. كأنني .. لا .. لا .. كأنهم لا يعرفون من هم ..؟ نعم لا يعرفون أنفسهم ..!
نظر إلى العامل وهو يسأله دون أن يتحرك من على الكرسي.
– ما هي المشكلة في هذه السيارة ..؟
– لا أدري بالتحديد .. ولكنها لا تشتغل ..
– حسناً .. اذهب وابحث عن عمل في ورشة أخرى، وسوف أقوم أنا بإصلاح السيارة.
– وماذا عن أجري ..؟
– سوف أدفع عندما يحضر صاحب السيارة.
– ولكن أنا ..
– وأنا ليس لدي مال الآن ..!
– اغلق باب الورشة واذهب.
خفت النور قليلاً بعد أن أغلق العامل الورشة وهو متوقع أن نهاية عمله قد قربت في الورشة. وعندما تأكد أن خطوات العامل قد ابتعدت أخذ يتحسس رأسه وهو غير مصدق أن القرن قد بدأ في الظهور. قام من مكانه واتجه إلى السيارة التي لا يوجد غيرها وقد فُتح غطاء مقدمتها. اقترب أكثر من السيارة وأدخل رأسه. اقتربت نظراته من ماكينة السيارة وبدأت يداه تتفقد السيور والمكائن الصغيرة الأخرى. شعر رأسه مازال يبيض وقد تناهى إلى سمعه أصوات السيارات في الطريق مختلطا مع أصوات أقدام العابرين للشارع من أمام بوابة الورشة المغلقة. كان الأمل لا يزال يداعب تفكيره عندما أخذ يتحسس رأسه ويشعر أن القرن ينمو بسرعة لم يكن يتوقعها. هز رأسه وهو محني داخل مقدمة السيارة، وأخذ يعمل في إصلاح السيارة وقد عزم أن يقوم بإصلاح العطل بدون أي توقف ولا يلتفت إلى قطرات العرق المتفصدة من جبينه. لم يلحظ شعره الذي ابيض تقريباً. ولم يشعر بقرنه وقد تشعب فوق رأسه والتف بغطاء مقدمة السيارة. وأصبح لا يقوى على الحركة أو التوقف عن التفكير ..!

