كاد رنين الساعة المتصل بجوار رأسه يوقظ ساكني العمارة جميعهم ومع ذلك عندما نهض مادا ذراعه نحو الساعة شعر بكسل شديد دون أي فزع من صوتها المزعج فقد اعتادت أذناه هذا الصوت مع مرور الوقت. نظر في ساعة يده، بعد أن فرك عينيه بتثاقل، تشير إلى الخامسة صباحا.
– مازال هناك متسع من الوقت ..
قالها بصوت لم يسمعه، فصوت الساعة مايزال يتردد في الغرفة. فصل الشتاء بدأ في نشر البرد على جميع أطراف المدينة مما جعل هذا الوقت من أمتع أوقات النوم حيث يدغدغ الجسم الدافئ برودة أغطية السرير فتسري قشعريرة محببة إلى النفس ومهيجة لرغبة النوم. ومع ذلك لابد أن يستيقظ فقد بدأ يوم جديد يجب أن يكون مستعدا له. دخل إلى الحمام وأخذ دشا دافئا طرد به الكسل الذي يعتريه. نظر إلى وجهه في المرآة داخل الحمام ثم حلق شعر ذقنه ليزيد إشراق وجهه كما يعتقد مع شعوره بالضيق لأنه لم يحلقه قبل أن يستحم ولكن لا يهم فقد اعتاد على ذلك في بعض الأحيان. أخرج السجادة من الدولاب وتوجه نحو القبلة ليصلي الفجر فقد شعر أنه يتناسى أداء الصلاة بين حين وآخر ويجب عليه ألا يتساهل فيها بعد الآن. وهذا الوعد يندرج ضمن الوعود التي يقطعها على نفسه دائما دون أن ينفذها بانتظام. عندما قام بطي السجادة بعد انتهائه من الصلاة تنبه إلى أنه لم ير أحدا في البيت منذ أن قام من النوم
– ربما مازالوا نياماً ..
لم يقتنع بهذا التبرير عندما تذكر أنه في هذه المدينة الجديدة عليه ولا يوجد أحد غيره في هذه الشقة المفروشة التي يسكنها الآن. مع هذا التذكر عادت بعض الصور إلى مخيلته رغما عنه، رأى من خلالها مدينته البعيدة. بعد أن ارتدى ثوبه قام بتمشيط المتبقي من شعره الخشن ثم نظر إلى يديه متأسفا على الشعر المتساقط. شعر بأن الغترة التي يضعها على رأسه الآن تخفي كثيرا من ملامحه وتظهره كشخص كبير في السن ومحترم. أغلق الباب ثم أخذ في نزول الدرج بعد أن يئس من عمل المصعد. أدار مفتاح السيارة وأشعل سيجارة وأخذ نفسا عميقا عله يذكره بما يجب أن يفعله.
– آه .. سوف أذهب إلى العمل .. يجب أن أشتري بعض القهوة السريعة التحضير والسكر.
قاد سيارته إلى أقرب سوبر ماركت وهو لا يفكر في شيء. انتشار نسمات الهواء الباردة دعاه للإسراع في الدخول إلى السوبر ماركت بعد أن أوقف السيارة كيفما اتفق. وأمام الأنواع الكثيرة من القهوة ظهرت حيرته التي أنهاها بأن اختار النوع الذي يعرفه ويعرف مذاقه. تطلع إلى الشارع من خلال زجاج واجهة المحل ناقلا نظره بين السيارات الواقفة في محاولة لقتل الوقت حتى ينتهي البائع الوحيد من إصلاح ماكينة المحاسبة. ومع المحاولات الجادة من البائع لإصلاحها تسرب الملل إليه، ولم يجد أمامه القدرة على الانتظار، فنظر إلى السعر الموضوع على علبة القهوة ووضع النقود وذهب بعد أن شكر البائع وهو يلمس نظرات الدهشة والاستغراب من عينيه. انطلق بسيارته متوجها إلى العمل الذي يقع في طرف المدينة. يعرف أن هناك وقتاً قبل أن يبدأ الدوام، لذلك أبطأ من سرعة السيارة وأخذ يتأمل المحلات المغلقة ومنظر المارة القليلين وهم يسرعون الخطى متدثرين بالملابس الثقيلة في محاولة منهم للتغلب على البرد الذي يلف المدينة. تذكّر مدينته الكبيرة الدافئة حيث الأهل والأصحاب ورفقاء الدراسة وجلسات السمر التي كانت تستمر في بعض الأيام إلى وقته الذي هو فيه الآن. صدرت منه تنهيدة أخرج بها بعضا من ذكرياته لعله ينساها. أفاق من تنهيدته على منظر يبدو غريبا في الشارع المرصوف على اليسار حيث المحلات المغلقة. كان رجل يسير بثوب من الصعب التوقع بأن لونه أبيض من كثرة الأوساخ. ويضع بطانية من الصوف على رأسه تاركا إياها تنسدل إلى الأرض دون أن يعيرها أي اهتمام حتى في لفها على جسده. يمشي دون أن ينظر إلى أحد. فقط ينظر إلى الطريق الذي يمشي فيه. مشيته غير منتظمة وبشكل غريب فقدماه بدون أحذية وتبدو متشققة. لم يستطع تحديد عدد سنوات عمره، ربما كان في نهاية العقد الخامس أو أكثر. عندما اقتربت السيارة منه نظر إليه فجأة وتلاقت نظراتهما، وللحظة قرر الرجل بعدها العبور دون أن يكترث بالسيارة وسائقها.
ظن أن الشمس أصبحت في منتصف السماء، وأنه لم يعد يحتمل كل هذه الحرارة الصادرة من جوفه والهابطة من السماء والمتدلية بأشعة الشمس. انحنى على الرجل الملقى على الأرض ونظر في عينيه المغمضتين ولكنه فتحهما فجأة وأخذ يحدق فيه وهو في قمة ارتباكه. لم يعرف ماذا يقول فقد ضاعت كلمات الاعتذار.
– آسف .. آسف ..
– لم أقصد أن ..
– لقد كُنتَ على الرصيف .. لماذا قررت عبور الشارع ..؟
– هل تشكو من أية آلام ..؟ يبدو أن يدك قد كُسرت..!
– لا تحركها سوف يأتي رجال الإسعاف الآن ..
– لماذا لا تتكلم ..؟
– هل فقدت النطق ..؟
– أرجوك استند على الرصيف .. لن أذهب، سوف أنتظر بعض الوقت قبل أن أنقلك إلى المستشفى ..
ومع تعالي صوت الإسعاف هدأت نفسه قليلا وأخرج منديلا يجفف به العرق المتصبب من جبينه رغم برودة الجو. تقدم الممرضون وسط الحشد القليل من المارة الذين تجمهروا في محاولة للتعرف إلى المصاب. أخذوا يتطلعون إليه وهو يرتجف من البرد. توجه إليه الممرضون مباشرة كأنه هو الذي صُدم بالسيارة وليس السائق. تقدم منه أحد الممرضين الثلاثة.
– هل تشكو من شيء ..؟
– أنا ..!
– نعم أنت ..
– .. أنا لا أشكو من شيء، أنا السائق الذي عمل الحادث ..!
– هل هناك أي ألم تشعر به الآن ..؟
– لا.. لا أشعر بأي ألم ..!
– ولكنك ترتجف .. ماذا بك..؟
– أنا أرتجف..؟ لا .. بالعكس فأنا أكاد أختنق من الحر رغم برودة الجو ..!
– لماذا خلعت ملابسك إذن ..؟
– لقد كنت أفكر بمدينتي الكبيرة وكان هذا الرجل يسير على الرصيف وفجأة عبر الشارع ولم أستطع عمل أي شيء عندما وجدته أمام السيارة .. أوقفتها ونزلت أستطلع الأمر فوجدته يرتجف من البرد.
– ما وجدت ليس مهما .. مم تشكو الآن ..؟
– قلت أنا لا أشكو من شيء .. يجب أن تسعفوا المصاب قبل أن تحصل مضاعفات ..
تجمهر الناس حوله وأخذت عيونهم تتسابق في النظر إليه وهو في قمة الاستغراب من هذا الوضع الغريب. قام أحد الممرضين بوضعه على النقالة. ثم تم حمله إلى داخل سيارة الإسعاف وهو ينظر إلى الرجل المصدوم ينهض ويفتح باب سيارته وينطلق بها. كاد الاستغراب يقتله عندما سأله أحد الممرضين بجواره.
– كيف يبدو سائق السيارة ..؟
– لا أستطيع تحديد ملامحه بالتفصيل ولكني متأكد أن لونه كان في “سمارك” تقريبا ويرتدي ثوباً كان لونه أبيض ..!

