أعلم أنه حلم. فلقد كان يوم عمل متعبا، ككل أيام عملي المتعبة. وأنا معتاد على هذا التعب، لذلك عندما وضعت رأسي على المخدة، وشعرت ببرودة السرير لم أعد أعرف كيف أحسب الوقت، ولا كيف أطفئ المصباح الكهربائي الذي فوق رأسي.
طريقتي في النوم هذه بسيطة جداً. مجرد أن أغمض عيني وأنا على السرير فأنام مباشرة .. وتبدأ الأحلام .. ومع علمي الأكيد أن ما أعيشه الآن مجرد حُلم أصبحت أتعامل مع أحداثه كأنني أشاهد فيلماً أو أقرأ قصة. لم يكن يعنيني أي شيء في الحلم سوى المشاهدة والترقب وانتظار أن تدق الساعة فأنهض ليبدأ يوم عمل جديد وتبدأ رحلة التعب المعتادة.
لم أستطع أن أحدد المكان الذي أشاهد فيه أحداث هذا الحلم، فقد كان الشارع طويلاً وممتلئاً بالإشارات المرورية، والسيارات تسير مسرعة بين الإشارات. أقف على رصيف يشبه شارع التحلية الذي يقطع جدة إلى نصفين. وكأنني أرى ملعب النادي الأهلي مظلماً وساعتي تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. توقفت أمامي شاحنة كبيرة مع أني لم أقم بأية إشارة أو طلب إلى سيارة، من السيارات المنطلقة أمامي، بالوقوف. كُنت أقف فقط أنظر إلى السيارات والمحلات المغلقة وأتحسس غترتي بين الحين والحين وأضغط على العقال عندما أشعر أنه غير ثابت. كانت مفاجأةً لي أن تتوقف هذه الشاحنة التي لم أستطع أن أتبين ملامح سائقها. سدت الشاحنة عليّ المنظر الذي أستمتع بمشاهدته في ذلك الوقت. لم أعد أرى سوى جنب الشاحنة المتسخ. لذلك سرت إلى مقدمة الشاحنة لأتابع ما أرى. لم تتغير المناظر التي أمامي ولم يتغير يقِيني من أن وضعي في هذا الوقت والمكان ليس إلا مفارقات حلم لشخص متعب. ظللت واقفاً في مكاني بعض الوقت وأنا أتطلع إلى السيارات المسرعة وأتعجب لسرعتها الشديدة التي في بعض الأحيان تفقدني القدرة على معرفة أنواعها. كنت أتطلع إلى مقدمة الشاحنة في محاولة قد أستطيع بها أن أتبين ملامح سائقها ولكني لم أر أي شخص خلف المقود. عللت ذلك بأنه ربما يتفحص إحدى العجلات أو أنه سمع صوتاً غريباً فأوقف الشاحنة ليستطلع الأمر. لم أُعر هذا أي اهتمام بل كُنت أجد متعه كبيرة بتأمل المجسم الفني الذي يزين ركن الملعب الذي أمامي. شعرتُ بأن أنفاسي بدأت تختلط بالغازات التي تتصاعد من مقدمة الشاحنة، خصوصاً أن الهواء كان في اتجاهي، لذلك ابتعدت وسرت قليلاً، لأخفف من تصلب قدمي وأبتعد عن تلك الغازات. لم أنظر خلفي فالمنظر أمامي جميل ونسمات الهواء تغريني بأن أخلع الغترة والعقال من على رأسي فأشعر بالهواء يتخلل شعر رأسي ولكني لم أفعل أي شيء بل كانت مجرد أفكار لم تتعد محيط مخيلتي.
أفقت على صوت الشاحنة وهي تقترب مني وتقف إلى جواري وأنا أسير على الرصيف ثم أطلقت العنان لصوت المنبه العجيب الذي أصدر صوتا شعرت به يتسرب إلى أنسجة صدري الداخلية. شل حركتي لثوان قليلة. توقفت ونظرت إلى الشاحنة وشعور بالضيق ممزوج بالرهبة والخوف يعتريني. حاولت أن أتقدم لكي أكلم السائق بأن هذا التصرف لا داعي له خصوصاً في هذا الوقت والطريق ليس به أحد غيره. لم أستطع أن أصل إليه فقد تحركت الشاحنة وهي تعيد إطلاق ذلك الصوت المرعب. وأمام ذوبان الصوت واهتزاز ثوبي من جراء التيار الهوائي الذي أحدثه تحرك الشاحنة السريع وقفت أتابع اختفاء الشاحنة في غابة إشارات المرور التي أمامي والتي لم يعرها سائق الشاحنة أي اهتمام وكأنها غير موجودة.
أنزلت الغترة والعقال من فوق رأسي وأخذت أنظر حولي بضيق. عندها لم أعرف أين أنا. فقدت المكان الذي كنت واقفاً عليه. وانطفأت الأنوار التي كنت أراها. شعرت أن الأرض التي تحتي متحركة كأنني أركب سيارة. لم أصدق لقد كُنت في صندوق الشاحنة الخلفي. كيف انتقلت إلى داخل الشاحنة..؟ لم أجد تبريراً معقولاً سوى أنني أعرف أن أحلامي لا تعترف بالمنطقية التي أبحث عنها. بعد أن اعتادت عيناي على المكان واستعدت مقدرتي على التوازن أجلت النظر داخل الصندوق محاولا أن أتبين ما إذا كان هناك أحد غيري أم لا. لم أجد أي شيء على الأرض. شعرت بالتعب وجلستُ مسنداً ظهري على جنب الصندوق وتطلعت إلى ركن الصندوق العلوي والسقف. شعرت أن هناك شيئاً يتحرك في السقف كأنه صندوق آخر صغير. عندما دققت النظر غير مصدق أدركتُ أنه صندوق صغير وله أربعة مقابض في أركانه. لم أجد أيضا أي تفسير لوجود هذا الصندوق داخل هذه الشاحنة ولكني أدركت أن الشاحنة قد توقفت وسمعت صوتها يتسلل إلى أعماقي فأهتز لذلك الصوت وأرتجف رعباً منه. كُنت أشعر أن هذا الصفير سوف يوقف قلبي إذا تكرر كثيراً. انفتح الباب الخلفي لصندوق الشاحنة دون أن أرى من فتحه. كان الهواء يندفع إلى داخل الصندوق رطباً وكأننا بالقرب من البحر.
بدأ الصندوق الصغير في التحرك دون أن أرى أحداً يحمله. كُنت أراه أمامي يرتفع وينخفض ثم يثبت على ارتفاعه. تحركتُ خلفه وأنا مبهور بما أرى فهذه تجربة لم أعشها في الواقع أو في الحلم من قبل. كانت الشاحنة على ما يبدو قد توقفت في الكورنيش الشمالي لجدة. عرفت ذلك من مجسم طائر النورس. توجه الصندوق مباشرةً إلى المسجد الذي بجوار الدوار. كُنت مشدوداً إليه فتبعته. كان هناك بعض الساهرين على الشاطئ يتطلعون إليّ ثم ينقلون بصرهم إلى ما أتبعه. ربما حب المعرفة والاستغراب دفعهم إلى المجيء والسير بجواري. لقد انضم إليّ ثلاثة أشخاص فأصبحنا أربعة. كنا غير مستعدين للكلام فقط نتطلع إلى ما نتبعه. اقترب من المسجد ونحن قد أصبحنا سبعة أشخاص. عندما وصل إلى الباب كنا قد أصبحنا عشرة أشخاص. لم يدخل المسجد بل دار حوله ونحن خلفه. عند نهاية الدورة لم أستطع أن أحصي عدد الناس ربما عشرون أو أكثر. أخذ طريقه في الكورنيش وعدد الناس يزداد إلى أن أصبح الشارع يغص بالناس ولم يعد مكان للسيارات. سمعت من بعيد صوت الشاحنة المرعب ولكني لم أشعر بشيء من الخوف بل شعرت بحزن غريب لا أعرف مصدره.
بدأ يأخذ طريقه داخل البحر والجميع يتبعه دون أي خوف. الشمس تحاول الظهور والنور الصباحي بدأ في الظهور. شعرت بالماء بلل أقدامي. عندما حاولت أن أنظر خلفي لم أستطع ولكني كنت أسمع وقع أقدام المتبعين خلفي. حاولت مرةً أخرى أن أنظر خلفي لأرى من يتبعني وكم عددهم. كانت شبه مفاجأة لي. لقد رأيت حشوداً من الناس خلفي. أخافتني هذه الحشود أكثر من صوت الشاحنة المرعب. لقد كان الناس يتدافعون إلى الماء كأسماك تتطلع إلى الحياة. ومع وصول الماء إلى منتصفي استغربت من هذا الحلم وشعرت أنني يجب أن أفيق لكي أتأكد من أنني أحلم ثم أعود فأكمل..! ولكن رغبة داخلي تستحثني بالسير خلفه. أنا لا أعرف كيف أسبح، لذلك كنت أخاف من أن أجد جرفاً ولا تجد قدماي أي أرض تسير عليها خصوصاً وأن الماء بدأ يصل إلى رقبتي. لقد بدأ الماء يرتفع بشكل مفاجئ إلى أن .. إلى أن شعرت بأنني لم أعد أراه.
عندما أفقت من النوم، دون أن أسمع دقات الساعة، وجدت جميع ملابسي مبللة .. وكأنني أبكي وأنا ممددٌ على أرض تشبه المقبرة ..!

