الرغبة الشديدة لدى الإنسان لتملك الطيور .. تُفقد الطيور الكثير من رغباتها الطبيعية .. والتي منها القدرة على الطيران !!
بائع طيور سابق
كانت أول هدية تقدم إلي هي هذا العصفور الصغير الذي في القفص. كم كانت فرحتي غامرة به مع أني كُنت أرى جميع أنواع الطيور تقريباً في حديقة الأنعام الجميلة -والواقعة في ركن شارع التحلية- إلا أنني أشعر أن طائري هذا أجمل طائر بينهم، فألوانه المتناسقة وريشه المتراص على جناحيه يجعلاني لا أُصدق هذه الدقة التي هو عليها. أما صوته الجميل فمن أعذب الألحان التي أسمعها. كانت الطيور هناك تتقافز بدون أية درجة من الفن الذي يقوم بها طائري الجميل. لم أعرف أي نوع من الطيور هو..؟ عندما سألت أبي، قال إنه نسي اسم هذه النوعية من الطيور، ووعد أن يسال البائع مرة أخرى، وسيكتب اسمه حتى يتذكره إذا نسيه.
قفزاته داخل القفص تثير مخيلتي ورغبتي بالرقص حول القفص. سمعت والدتي تتحدث عن ذلك لأبي
– يكاد أن يجن .. تخيل إنه يرقص حول القفص ..!
و والدي يبتسم دون أن يجيب. كُنت حريصاً على أن أقوم بتغذيته وتنظيف القفص كل يوم ولم أتهاون يوم واحداً في ذلك. و سعادتي تزداد عندما أسمع صوته وأنا قادم من المدرسة ظهراً وقد احمر وجهي من الشمس وشوق الانتظار. فأنا طوال اليوم أتحرق شوقاً لأن ينتهي اليوم فأذهب بل أطير – لو استطعت – إلى البيت أنظف القفص و أغير الماء و أضع الطعام الخاص بعناية فائقة.
كُنت أجمع من مصروف المدرسة أكبر مبلغ ممكن. فأستطيع عندما أذهب مع أبي إلى السوق أن أشتري نوعاً جديداً من الأكل توجد به مواد مغذية ومفيدة لهذا النوع من الطيور.
كُنت دائم الحديث عنه في المدرسة. فأجمع حولي أصدقائي في الفصل وأحدثهم عن آخر التطورات في التدريبات التي أقوم بها، وعن مدى نجاحي في تعليمه بعض الحركات والأصوات رغم أنه ليس ببغاء. واتفقت معهم على أن يأتوا إلى المنزل ليشاهدوه بأنفسهم. كانت أنظارهم معلقة عليه عندما حضروا لمشاهدته وكأنهم أمام طائر خرافي عجيب. حركاته ذلك اليوم رغم معرفتي بمعظمها إلا أنها كثيرة، وبعض تلك الحركات لم أره يقوم بها من قبل. فلم يحدث أن قام بجميع هذه الحركات والأصوات مجتمعة في يوم واحد. فرحتي كانت كبيرة ولا توصف. لقد أثبت للجميع ذلك اليوم صدق ما أقوله عنه.
كانت الأمور تسير على ما يرام لمدة أسبوع إلى أن أتى أبي بعد صلاة الجمعة وسألني :
– وماذا سميت طائرك..؟
لم أفكر من قبل في أن أسميه رغم اقتراح عدة أسماء له من قبل أصدقائي في المدرسة. ولم أكن قد اخترت له اسماً، فقد كُنت أعتقد أنه ليس من حقي أن أقوم بتسميته، وأن هذا من حق والديه في أن يسمياه اسما جميلا مثله. لا أدري من أين أتيت بهذه القناعة..؟ ولكني كنت متأكداً أنهما كانا سيسميانه على طريقة الطيور التي لا أعرفها. بل كنت متأكداً أن له اسماً، فعندما أسأله عن اسمه كان يصدر نفس النغمة التي ربما هي اسمه بتلك اللغة التي أجهلها. أبي يؤكد لي أنه يجب على أن أسميه، واقترح علي بعض الأسماء، ولكني لم أوافق، فقناعتي تلك تقف حاجزاً أمام الأسماء الخارجية. ومع الوقت اعتاد أبي وأمي على ألا يكون له اسم محدد، وكانوا ينسبونه إليّ عندما يسألوني عنه
– ما هي أخبار طائرك ..؟
– هل طائرك مايزال يغني ..؟
وأنا أيضا اعتدتُ على ذلك .. تطورت علاقتي به وبجميع الطيور فأصبحتُ عندما أذهب إلى حديقة الأنعام الجميلة أُمضي معظم وقتي في مراقبة الطيور في أقفاصها. لم تكن تأتي إليّ عندما أقف خلف شبك أقفاصها. كانت تهرب إلى الطرف الآخر من القفص، كمن يريد أن يبتعد بقدر الإمكان. أشعر أنها ترتجف في طيرانها وكأنها لم تعد تتذكر الطيران. عكس ما يقوم به طائري، فأجنحته قوية ولا يهرب مني عندما أقترب من قفصه، رغم أن القفص أصغر بكثير من أقفاص تلك الطيور الخائفة.
الوقت يمضي بسرعة مذهلة، و أشعر بقلق والِداي على تصرفي واهتمامي بهذه الطيور.
– لقد انقلب حاله منذ أن أهديته الطائر
– لم أكن أعرف أنه سوف يتعلق به لهذه الدرجة
– ولا أنا .. ولكن ما العمل ..؟
– أنتِ والدته حاولي بأساليبك الحنونة أن ..
لم اعرف ماذا يقصدان. فلم أضايق أحداً، ولم أكسر المزهريات، ولم أكن .. ولم أكن .. سلسلة طويلة من الأعمال تنازلت عنها، ومع ذلك يبدو أنهم لا يرضون عن هذه التنازلات. لم يُثر هذا القلق الكثير أو القليل في حياتي الجديدة مع طائري الجميل. الأيام تمر وعلاقتي بالطائر تزداد لدرجة أصبحتُ فيها لا أعرف استذكار دروسي إلا أمامه، ولا أقوم بأي عمل إلا بعد أن أتحاور معه. كان يصدر تلك الأصوات التي تطربني، فكُنت كمن يأخذ الإذن منه لأقوم بعد ذلك بالعمل مباشرة. كُنت على هذا الحال و ارتباطي بالطائر في ازدياد مستمر. شعرت بعد عدة أسابيع أن أبي قد لاحظ ذلك الارتباط، وبدأ القلق يساوره من شدة انسجامي مع الطائر وعدم إحساسي بمن حولي
– ما الذي دهاك .. لقد أصبحت لا تتصرف في أي شيء حتى تذهب إلى طائرك كأنه يجب أن يعرف ..؟
– يا بني الطائر لا يعرفك .. ولا يريد أن يعرف ماذا تعمل ..
– لا .. إنه يعرفني .. ويعرف ما أقول .. فأنا أفهم ذلك من حركاته والألحان الجميلة التي يقولها ..
– .. حسنا ولكن أنت لا تستطيع أن تجزم بأنك لو أطلقته من قفصه سوف يتوجه إليك مباشرة ولا يطير من النافذة .. !!
– أنا لم أجرب هذا ولكنه لن يذهب.
– جرب واخبرني بالنتيجة ..
لم أهتم بما يقول، ولم أكن مستعداً لتركه خارج القفص، فأنا المقيد به وليس هو. ومع ذلك فكلمات أبي تدور في رأسي وتجعلني أفكر في أن أحاول إطلاقه. قمت بإغلاق نافذة غرفتي، وأقفلت الباب وفتحت باب القفص. انطلق كالقذيفة من الباب وأخذ يطير ويرفف بجناحيه داخل الغرفة و اتجه إلى السقف مباشرة. كان اصطدامه قويا إلى درجة أنني سمعت صوت ارتطامه في السقف ثم هوى بعدها إلى الأرض، وقبل أن يصل إليها استعاد إدراكه و توازنه وبدأ برفرفة جناحيه، ولكن في هذه المرة كان أقل حدة وكان طيرانه بشكل غير متناسق. اندفع إلى أعلى وحط على سقف دولاب ملابسي. لا أدري ماذا حصل لي..؟ فقدت صوابي عندما رأيته مندفعاً خارج القفص ولِهول المفاجأة في تلك اللحظة لم أفعل أي شيء عدا المراقبة. أفقت من تلك المفاجأة وتملكتني رغبة شديدة -ممزوجة بكثير من الخوف- في أن أعيده إلى القفص. أخذت أقفز حول الدولاب في محاولة لإخافته وجعله ينزل من مكانه. لم تكن إعادته إلى القفص أمراً سهلاً. استغرق ذلك مجهوداً كبيراً مني، ومن جميع محتويات غرفتي. فلم يعد هناك أي شيء في مكانه، وانقلبت الغرفة رأسا على عقب. أمسكته بغطاء السرير وأدخلته القفص. كانت هذه الحادثة بمثابة تجربة متعبة لن أفكر في تكرارها مرة أخرى. ويبدو أن الحادثة قد تركت في نفسه أثراً سيئا فلم يعد يغني كما كان رغم عدم اختلاف معاملتي له.
فأنا أُنظف القفص وأغير الماء وأضع الطعام كل يوم دون كلل أو ملل رغم الاختبارات النهائية التي تأخذ جُل وقتي. ولكنه ظل ساكناً في القفص لا يتحرك. عيناه فقط تنظران إليّ بجمود عجيب. كُنت أشعر لشدة سكونه أنه لا يتناول الطعام الذي أقدمه له. تحدثت مع أبي عن تلك التجربة وعما أصاب طائري من صمت ولكنه أكد لي أن حالته مجرد وضع طبيعي نتيجة لاصطدامه بسقف الغرفة وربما أصيب، وهو يحاول أن يستعيد عافيته الآن. ولكنه ظل على حالته إلى أن انتهت الاختبارات وتفرغت له كليا. فبعد أن انتهيت من آخر اختبار عدت مباشرة إلى البيت، على غير العادة، ووضعت القفص على حافة النافذة وجلست بجواره أتحدث إليه طوال النهار دون أن يتحرك أو يحدث أي صوت إلى أن أتى الليل. أخذت القفص وخرجت من البيت للتنزه في الشارع. مشيت بطول الشارع أحاول أن أغير المناظر لعله يعود كسابق عهده فيرفرف بجناحيه ويطلق ألحانه الجميلة، التي تؤنسني وتطربني. القطط تقترب مني وتنظر إلى القفص بعيون جائعة ولا أعرها أي اهتمام، بل تمسكت جيدا بالقفص وتأكدت من أن بابه مقفل بإحكام. ومع هذا لم يحدث أي تحسن. عدت إلى الغرفة، وعلقت القفص، في مكانه المعتاد جوار النافذة. كُنت متعبا ومنهك القوى بعد يوم طويل من الكلام، فاستسلمت للنوم مباشرة.
لا أدري كم مضى من الوقت..؟ ولكني نهضت على صوته وهو يطلق تلك الألحان الجميلة. لم يكن صوته كما اعتدت عليه من قبل بل به من الحزن مسحة لم أجد لها تفسيرا. لم أهتم بهذا الحزن بقدر ما كُنت فرحاً بسماع صوته مرة أخرى. ومن شدة ما أنا به من فرح لم أتحرك من سريري. فتحت عيناي فقط على اتساعهما وأخذت أنظر إليه. كان ينظر إلى السماء من خلال زجاج النافذة. منظره كان رائعا خصوصا مع ضوء القمر الذي ينعكس على القفص الذهبي وعلى ريشه الملون الجميل، فكأني أرى لوحة ساحرة تنساب منها تلك الألحان الحزينة التي جعلتني في نشوة. وفجأة توقف عن الغناء وكأني أسمع صوت صغير دقيق يتحدث
– يا طيوري .. لم أستطع المجيء .. كل محاولاتي فشلت.. لقد كُسر جناحي ..
لم أصدق ما أسمع، هل هذا الطائر يتكلم أم ماذا..؟ فركت عيناي ونهضت من مكاني واتجهت إلى القفص.
– هل تتكلم يا طائري الجميل ..؟
– لقد سمعتك .. هيا تكلم .. تكلم معي ..
– ليس لدي وقت .. يجب أن تفعل ما أقول ..
– حسنا سوف أعمل .. قل ماذا تريد ..؟
– افتح النافذة وضع القفص على حافتها
نهضت وفتحت النافذة فاستقبلتني نسمات الليل الرطبة ووضعت القفص على الحافة كما طلب مني .. عدت إلى الكرسي بجوار النافذة ونظرت إليه ..
– أريد منك أن تحفظ هذا اللحن الذي سمعته قبل قليل ..!
– أنا ..؟
– نعم أنت .. إنه لحن سهل .. هيا تشجع
لا أدري ماذا فعلت لحظتها، ولكني أنصت إليه واللحن ينساب إلى أذني .. لم احسب كم من الوقت مضى وأنا أحاول أن أحفظ وأردد اللحن إلى أن سمعت اللحن ينساب من بين شفتي وكأنهما لشخص آخر. لم أتمالك نفسي وأخذت بترديد اللحن مرة أخرى إلى أن رفرف طائري بجناحيه.
– توقف الآن .. لقد حفظت اللحن ..
– وماذا بعد؟
– سوف تردد اللحن ثلاث مرات بعد أن تراني على أرضية القفص باسطاً جناحي على اتساعهما
– حسنا وماذا بعد ..؟
– كل شيء سينتهي ..
– .. ولكن
قفز من مكانه إلى أرضية القفص وبدأ بمد أجنحته دون أن أسمع كلمة أخرى. أخذت أنظر إليه وأبتلع الكلمات دون أن أفعل شيئاً. وعندما شعرت أن جناحيه أصبحا في كامل امتدادهما بدأت في ترديد اللحن. كان انسياب الأنغام من بين شفتيّ يواكبه انسياب لدموع عينيّ على خدي ولا أعرف له سبباً..؟ ومع ذلك لم أتوقف حتى انتهيت من ترديد اللحن لثالث مرة. أخذ لون ريش طائري يتغير إلى الأحمر. ثم سمعت أصوات لرفرفة أجنحة قادم من بعيد وتراءى لي كأنها سحابة تقترب من النافذة، إلى أن تبينت أنها مجموعة من الطيور بجميع أشكالها تقترب من النافذة. تدفقت طيور الكناري الصغيرة، والببغاوات، وحمام رب البيت، وغربان، وطيور مالك الحزين، والحبارى، وأنواع كثيرة .. كثيرة .. لم أستطع أن أعرف أنواعها فقد كُنت أشاهدها لأول مرة في حياتي ذات أحجام مختلفة. بل لقد أتت أنواع كُنت أشاهد أشكالها في الصور التي تأتي مع بعض أنواع الحلوى. امتلأت الغرفة بالطيور دون أن تصدر منها أية أصوات. كانت تدخل من النافذة وتقف صامتة في أماكن اعتقدت لحظتها أنها تعرفها مسبقا حتى لم يعد مكان لأي طير داخل الغرفة. وقفت الطيور على حافة النافذة. كُنت أتوقع أن هذه الطيور هي كُل التي أراها فقط، ولكني عندما نظرت من النافذة وجدت أن الشارع الطويل مغطى بأنواع مختلفة من الطيور، وأسطح المنازل، وأسوارها، وأسقف السيارات، وأعمدة النور التي في الشارع، وكل شيء على الأرض ولا زالت الطيور قادمة من الأفق البعيد. لم يكن شعوري محدداً تلك اللحظة، فالاندهاش والانبهار والصمت هو كل ما أعرف. ومع تزايد أعداد الطيور لم أستطع تبين ضوء القمر. كُنت مستعدا أن أعمل أي شيء. أفتح باب القفص. أقدم كل ما لدي من أكل للطيور. أقدم اعتذاري. أي شيء يطلب مني .. أي شيء. لكن هذا لم يحدث. ومع كل هذه الانفعالات وجدت أن القفص قد أحاطت به مجموعة من الطيور الصغيرة جداً التي لا أعرف من أين أتت كأنها خرجت من القفص. بدأت أجنحتها الصغيرة بالرفرفة. تحرك القفص وبدأ في الارتفاع عن حافة النافذة. سمعت نفس اللحن الذي حفظته يبدأ في التسلل من القفص وبدا كأن جميع الطيور تعزف على النغمات نفسها. كأنه موكب حزين معلق في الهواء. ولم أَدْرِ كيف استجابت شفتاي فخرج صفيرها ليمتزج مع أصوات أجنحة الطيور المنسحبة. كُنت مشدوها وأنا أراها تخرج بنفس الهدوء الذي أتت به، وأرى الطيور التي في الخارج وهي ترفرف بأجنحتها وتخلع أجسامها من على الأرض كأنها تخلع قناعاً من وجه الأرض. ظللت جالساً في مكاني دون أن أتحرك، إلى أن اختفى القفص وجميع الطيور داخل الليل …

