تتفرق .. تتباعد ..
تتمزق ..
تحترق كثيراً في الهواء ..
بلا .. ألم ..!
من قصيدة الدهر القديم
متأكد أن لا أحد يعرف عمتي مثلما أَعرفها. فهي عمتي أنا فقط. ليس لي عمة غيرها. دائما أَقترب من وجهها دون أن أَهتمَّ بتفاصيله المحترقة. أيام مكة القديمة أفهمتني أن الحروق على وجه عمتي علامات طبيعية، قد يصل وجهي إليها بعد سنين. مع تجدد الأيام نسيت الحروق، فعمتي أصبحت متميزة بها وكأنها دائمة الاحتراق. رغم الحكايات المتناثرة والممتلئة نارا و بعض التفاصيل عن سبب تلك الحروق، لكنني نسيتها تماما. لا أستطيع تذكرها ولم أسال عمتي عنها قط.
ابتسامة عمتي الدائمة ليس لها معني. عندما تغضب، بعد أن تنام، قبل أن تتحدث، في جميع الأوقات أجد ابتسامتها مصلوبة على وجهها بلا صوت. فقط أسنان بسيطة وهاله حول وجهها مستمرة التوهج. ازداد امتلاءا كلما اعتدت على تلك الابتسامة المتوهجة. أحياناً اعتقد أنني لا أرى ابتسامة عمتي بل تألق احمر دائم للحروق يتكسر عند شفتيها يمنعها من غلق فمها..!
أحبها حين تتكلم بتلك الشفاه السوداء، كما أحب سماع صفير صوتها الدقيق؛ أحياناً أنام على هذا الصفير المكتوم. دائما نركب “التاكسي” ذاهبين إلى الحرم فالمشي الكثير يتعبها، وعندما نجلس في المقعد الخلفي “للتاكسي” الأصفر كانت تحكي لي بهمس قرب أذني بينما أنا اقلب عينيّ في الصور الملصقة بأبواب السيارة من الداخل والمغلفة “بنايلون” شفاف ازرق.
فيما بعد أدركت أنهم جميعها لا يحبون سماع سيرتها. أَجمعوا على أنها لم تكن طيبة النفس. خالتي تقول إنها كانت دائمة الخصام مع أمي قبل أن تموت.
اختفت عمتي عني منذ سنوات. ذهبتُ إلى المدرسة وعندما عدت لم أجدها. كانت الأمور، قبل عشرون عاما، تحدث بلا مقدمات وببساطة. في البيت، في جميع الغرف والأركان بحثت عنها. سألتُ أمي
– أين عمتي؟
– ذهبتْ ..
– …
سالت أبي فلم يجب بل خرج من البيت ولم اشعر بعودته؛ نمت من ملل الانتظار. في الصباح نسيت السؤال. صرت ابكيها ولا أتكلم، ومن بين الدموع استقرت صورتها في ذاكرتي. الآن أحاولُ أن أتذكر ما قيل لي في اليوم التالي ولكن بلا فائدة؛ فأنا لم أرها إلى اليوم و لم أجد لها أي صورة سوى تلك التي في ذاكرتي. لقد اختفى من البيت موضوعها تماما إلى أن وجدت أبي يبكي وأنا في المرحلة المتوسطة
– لماذا تبكي يا أبي؟
– لقد ماتت عمتك!!
– …
لم يؤثر الخبر فيَّ كثيراً؛ فقد تأكدت أنها لن تعود، لكني بكيت لرؤية أبي يبكي فقط.
اليوم ذهبنا إلى “أبحر” الجنوبية بجدة، جلسنا على الرصيف المطل على البحر. شعرت أنها واقفة على طرف الرصيف المقابل. كنت مصابا في قدمي ولا أستطيع المشي بسهوله فأخذت أتأملها وهي منتصبة مثل أعمدة النور المتباعدة بمسافات ثابتة أتحير في دقتها. رحت أنظر إلى ما انتثر بين تلك الأعمدة من أشجار تجاهد الشمس طول النهار لتبقى بغير ماء. أرى بعض الأشجار ميتة، لكن وقوفها العجيب يجعلني اجزم أنها مستمرة في جهادها الصامت؛ كما يجعلني أرى عمتي واقفة إلى جانبها بسكون.
قدماي تنتقل ببطء على الرصيف “الأسمنتي” كأنها تضغط على مواطن الألم المنتشرة في كل أجزاء اللون، ومع أن الهواء رطباً بعض الشيء إلا أنه أنعشني.
في بداية الليل وجدت شرخا بين بلاطات الرصيف كوجه عمتي المحترق وحزني الدائم عليها بدا منسكبا عليه. أرجعني هذا الشرخ إلى مكة عندا جلست مع أختي الكبيرة، قبل أن تتزوج، لتحكي لي عن عمتي؛ كيف كانت تتكلم وكيف كانت تلبس، فقد كنت أتسأل
– هل كان صوتها جميل؟
– لا ادري .. كنت صغيرة ولكني جلست معها بعد حادث الحريق بشهور كنا في منتصف رمضان، وكانت بعض الجروح مازالت متفتحة وأنا أضع لها المطهرات. كانت بين الحين والآخر تصدر بعض التأوهات الصغيرة وعندما انتهيت جلست استمع إليها تكلم نفسها، وتصلح ملابسها وتتحسس شعرها دون أن تنظر إلي.
الآن لا أتذكر تماماً الكلمات التي قالتها أختي ولكن صفير صوت عمتي اشعر به يرن في أذني
– قد أكون يتيمة وقد أكون جميلة لكني بالتأكيد لا أشعر بذلك، إن إحساسي بما حولي يكاد ينعدم مع فقدي لأشياء كثيرة كنت أحب رؤيتها من وسط الأعلام التي ترتفع حولي، ومن العيون التي تصوب إلي، أشياء فقدت معناها و مازلت أتشوق إلى رؤيتها. عندما أمشط شعري أتحسس أسنان المشط بأصابعي المحترقة. انظر في المرآة إلى رأسي، أتلمس بعيوني سطحه، أباعد بيدي بين شعيرا ته. عندما اغسل وجهي أمسك “الصابونة” وأنا خائفة من سقوطها فلا اعرف كيف أعيدها. أن نحترق فهذا ممكن ولكن أن نستمر في الاحتراق يومياً فهذا لا يحتمل. هذا ما يحدث لي. لقد تسلخت نفسي من الحروق حتى تعايشت مع الاحتراق وتلبدت سمائي بالدخان. لم يكن الموت مطلباً بل كان الاستمرار في الحياة مستحيل. حاولت الاندفاع خارج النافذة .. خارج الوقت، لكنني فشلت فتمسكت بنفسي إلى أن خفت الحرائق قليلاً وذهبت إلى النوم بخدر مفاجئ.
صفاتها التي أتذكرها غير واضحة. كنت أنظر، دائما، إلى يدها؛ أشاهد أصابع كبيرة كأنها تتطلع إلى نقاط ضوء في ظلام دامس. خطوط الضوء المنطلقة من المصابيح الضوئية الصغيرة تتداخل مع أصابع اليد الضخمة. كما كانت بعض المصابيح تقود الأصابع إلى بعضها فتنير الأظافر وتظهر كثيراً من تعرجات الجلد الدقيقة. جميعها تتضخم لتحيط بكل ما حولي وأتحول إلى ضائع في متاهة أتخبط داخلها وحيداً.
تلا حقني عمتي دائما، حتى أنني عندما كنت في دورة تدريبية فوجئت بها أمامي في أحد شوارع لندن. إذ بعد نهاية يوم كامل من الكلمات الجافة والقهوة السوداء والقليل من السندوشتات الباردة خرجت من المبني، سرت عائدا إلى الفندق. من بين الرؤوس والأكتاف المتراصة انتصبت أمامي بدون حروق. كانت السعادة تنطلق من وجهها المشرق. وتبدو من مبين شفتيها المنفرجتين أسنان ناصعة البياض. لم أكن اعرفها قبل هذا اليوم إذ لم يسبق لي أن رايتها دون تشوهات. كانت بين بين، لم تكن رائعة الجمال فلم تكن جميلة كما أنها لم تكن قبيحة لكنها كانت تملك جمالاً يناسب الحالمين بالطفولة، لذلك لم ترقني فتظاهرت بعدم إعارتها أيّ اهتمام. من الجنب بدت أذناها جميلة بأقراط قلبية الشكل تتداخل مع الابتسامات التي توزعها في كل الاتجاهات. تبدو يداها ناعمتان وتحملا خواتم نقش عليها بعض القلوب المصلوبة. لم أستطع تحديد لون “الجاكت” الذي تلبسه فهو بين اللون البني والأسود، يجعلني لا اعرف نهاية شعرها الطويل المنسدل على ظهرها. عندما ذهبت أعطيتها ظهري وابتعدت خائفاً ولم التفت فقد كنت محتاجاً إلى الهدوء.
على مدى الأيام الأربعة التالية كنت أترقب رؤيتها مرة أخرى دون جدوى فقد اختفت تماماً.
ذات مرة تحدث أبي، عن بعض عاداتها القديمة، هامساً
– مع صوت المؤذن بصلات الفجر تكون قد انتهت من الاستحمام وجلست بجوار الروشان تجفف شعرها وتنظر إلى الزقاق. لم تكن أعمدة الكهرباء منتشرة، إنما هو فانوس تعيس مدلى من عامود خشبي يحاول جاهدا أن يزيل وحشة الفجر؛ نوره ضئيل يتدفق من زجاجته المكسروة. تأخذ المشط وتبدأ في تمشيط شعرها الطويل الذي أنفقت عشرين عاما على العناية به. شفتاها تتمتم بأدعية كثيرة. تلك التمتمة تصل إلى أذني وأنا خارج من البيت.
عندما اجلس مع عمتي وأقص عليها أحلامي، تجتهد في تفسر كل شيء وتعطيني تأويلاً غريباً لأحلام لا معنى لها. اليوم ومع هواء البحر الرطب أتمنى أن أجدها لأتكلم معها وأحكي لها حلمي الأخير. كانوا خمسة صراصير صغيرة يطيرون أمامي في الغرفة، وأنا متصلباً فوق الكرسي. ربما دخلت الصراصير من النافذة وقد يكونوا قادمين من السماء. اثنان يحومان حول أقدامي والثلاثة الباقون يقتربون ويبتعدون عن رقبتي.
توقفت بجوار عامود النور لأراقبها، بين الأشجار الجافة، تنظر إلى التراب ساكنة. من خلال نور الأعمدة وبعض الأنوار البعيدة تسللت رهبة البحر المرعبة عندما لمست زرقته القاتمة بطرف عيني. تطلعت إليها. لمستْ عيناي وجهها، شعرت بدوي البحر في عينيها. كنت تبدو كقرصان بقبعتها المدببة الأطرف؛ وبإصرار عجيب ترسل نظراتها المائية إليّ وقد أطبقت شفتاها السوداء على بعضهما كأنها تستمع لهمس قريب. من طرف أذنيها تتدلى أقراط بيضاوية الشكل رقيقة وسوداء، في وسطها دائرة بيضاء كعين بلا جفون. لم أرى شعرها كاملا فهو يغطي صدرها وجزءاً من كتفها المنتصب ومنسدل على بياض العنق. نظراتها مازالت مستمرة والعامود بجوارها مضاء و المنازل خلفها كأنها مطفأة.
لم اصدق نفسي عندما نظرت إليها وهي تتقدم مني ثم تمسح على رأسي بيدها المحترقة وتبتعد سائرة نحو البحر والهواء يلعب بعباءتها دون أن تنظر إلي.
ارتفع صوت ابني عالياً فقد كان بجواري ولم اشعر بوجوده. أمسك بيدي و قادني إلى حيث نجلس. ببطء بدأت أشرب كوب الشاي متحسساً رأسي والأصوات تتردد بجواري خافته ..

