لوحة 23

٢٣ – لقطة من عمق الذاكرة – الفنان عبدالرحمن مغربي

في لوحة الفنان عبدالرحمن مغربي يبدو المشهد كأنه التقط من عمق الذاكرة، لا تلك الذاكرة الواضحة بل تلك التي تهتزّ أطرافها وتتماوج كما لو أنها خرجت من حلمٍ دافئ يتنقّل بين دفء الجدران القديمة وبرودة الوقت الذي لا يُقال. تُطلّ الألوان الترابية، البنية الرمادية البيج، كأنها أطياف نور مضغوطة لا تُعلن عن نفسها بل تُشير فقط لتمنحنا أفقًا داخليًا نحو جمالٍ هادئ مشرق من الداخل متواضع من الخارج.

تتماوج اللوحة بين التجريد والهندسة بين التكوينات الحادة والمربعة وبين الحضور الطيفي للأشخاص الذين يمشون بلا ملامح. وكأننا أمام حياةٍ تمضي داخل مدينة تكتب تاريخها بالبلاط والظلال. التزاحم في التفاصيل لا يأتي من عدد العناصر بل من الشعور بأن كل جزء من اللوحة يحمل ذاكرة كاملة أو صوتًا لم يُقل. كل مساحة هي مساحة انتظار وكل ظلّ يحكي عن حياة مزدحمة بين الخروج والدخول بين الحضور والغياب.

ثمة حزنٌ خافت هنا لا يُبكينا لكنه يعترف بشيءٍ نعرفه جميعًا. أن المدن القديمة تحفظ غربتنا. إنّ برودة الخطوط الحادة تحاصر دفء الأشخاص الذين تموّههم ضربات الفرشاة ليبقوا عالقين بين ماضٍ لا يعود ومستقبل لا يكتمل. البيوت تبدو كأنها تنظر والنخلات كأنها تُلوّح لكنها لا تتحرك.

ومع ذلك وسط هذا الكم من الكتمان تمنحنا اللوحة شعورًا بالرغبة في الإعجاب المريح كمن يجلس في صمت أمام صورة عائلية قديمة لا يعرف كل من فيها لكنه يشعر أنه ينتمي إليهم بطريقة ما. اللوحة لا تطلب التفسير بل تمنحك مساحة لتشعر. وهذا هو ذروة الفن حين يصبح شريكًا في تأملك لا مرشدًا له.

ثم هناك تحفيزٌ غريب في هذه المدينة الصامتة، تحفيز لا يقول لك "تحرّك" بل يقول: "تذكّر". تذكّر كيف كنت تسير في ممرات الطفولة كيف كانت خطوات النسوة بلون العباءات كيف كان ظلك جزءًا من الجدار. الفنان هنا لم يوقف الزمن بل خفّف صوته حتى نستطيع أن نسمعه نحن كما نشاء.

عبدالرحمن مغربي لا يرسم بيده فقط بل برهافة الشعور وذوقٍ عالٍ في فهم طبقات اللون. يقدّم جمالًا لا يُشبِه الجمال المألوف بل الجمال الذي يأتيك من العمق من المكان الذي لا تصل إليه إلا حين تصمت تمامًا.

لوحته ليست مجرد مشهد بصري بل تجربة وجودية تُشعرك أنك كنت هناك أو ما زلت، لكنك الآن ترى بعينٍ أكثر حنانًا.