أقف أمام هذه اللوحة للفنانة مها طيبة كأنني أقف أمام نافذة تُفتح بهدوء على أفق مشرق أفق لا يعلن نفسه بصوت عالٍ وإنما يتسلل إلى العين بشيء من الحلم. الألوان هنا لا تأتي ككتل منفصلة هي تتقارب كما تتقارب القلوب حين تفهم بعضها دون كلام. الأحمر لا يبدو حادًا بقدر ما يحمل دفئًا إنسانيًا والأزرق لا يبرد المشهد انما يمنحه عمقًا يشبه صمتًا تعرفه النساء جيدًا صمت مليء بالحكايات. أشعر أن الفنانة ترسم اللون فقط لكي تنصت له تركته يقول ما يريد ثم ترتب حضوره بعناية تشبه يدًا حنونة تعرف كيف توازن بين الجرأة والاحتواء. هنا يبدأ الجمال ليس كفكرة وإنما كإحساس يتشكل ببطء داخل النفس.
ومع هذا الأفق تبدأ تموجات الحياة في الظهور. تتزاحم الأشكال تتقاطع المساحات وتتحرك الخطوط كأنها تسابق شيئًا لا نراه. هناك سرعة واضحة في بعض الزوايا حيث تتلاحق الألوان وتدفع العين إلى القفز من تفصيله إلى أخرى وفي المقابل هناك لحظات توقف مساحات تمنحني فرصة للهدوء لأفهم ما يحدث داخلي. هذا التزاحم يخلق فوضى تبشبه ازدحام المشاعر في قلب لايعرف كيف يحمل أكثر من إحساس في وقت واحد. أرى الحلم وألمح الحزن وأشعر بشيء من التعب وثم رغبة خفيفة في الاستمرار. اللوحة هنا لا تصف الحياة مباشرة ولكنها تعيشها وتدعوني أن أراها كما هي سريعة وبطيئة في آن واحد.
ثم يحدث شيء يشبه توقف الزمن. وكأن الفنانة طلبت من اللحظة أن تبقى قليلاً فقط لتتمكن من قول ما لا يُقال بسهولة. الخطوط تبدو باردة مستقيمة واضحة لكنها تحمل في انعكاساتها حرارة خفية. حرارة نابعة من الداخل من إحساس أن الجمال لا يولد من الهدوء فقط وإنما من ذلك التوتر الخفيف بين ما نُظهره وما نخفيه. هنا يتسلل الحزن بطريقة رقيقة كوجع مباشر وكظل يمر بهدوء يترك أثرًا لا يمكن تجاهله. أشعر أن هذه اللحظة تخص الفنانة كأنها تضع جزءًا من نفسها في كل تفصيله ثم تبتعد قليلًا لتراه بعين أخرى.
ومع كل هذا يتولد شعور مريح رغبة في الإعجاب دون مقاومة. لا حاجة لأن أفسر ما أراه يكفي أن أسمح له أن يصل إليّ. الذوق هنا واضح ربما في تعقيد التكوين فقط وربما في فهم عميق لكلمات الألوان كيف تُقال ومتى تُقال وأين يجب أن تتوقف. أشعر أن اللوحة تفهم حساسية النظرة تعرف أن العين لا تبحث عن الكمال بقدر ما تبحث عن الصدق.
وفي النهاية يبقى الأثر محفزًا خفيفًا لكنه واضح. كأن اللوحة تهمس بأن الجمال لا يزال ممكنًا وأنه يتجدد في كل مرة نسمح لأنفسنا أن نراه بعين مختلفة. الفنانة هنا لا تقدم جمالًا مألوفًا بل تفتح بابًا لإحساس آخر إحساس يجعلني أخرج من اللوحة وأنا أكثر قربًا من الحياة وأكثر استعدادًا لأن أرى ما فيها من تفاصيل تستحق أن تُعاش.

