إلى: الصوت والكلمات “هدى عبدالله”.
في مكة. وقف في طرف الساحة ثم اتجه إلى الركن. ثمت أوقات يجبر نفسه فيها على الصمت رغم صراخه الداخلي لذلك كانت وقفته غير متزنة مع الهواء الذي يلعب بثوبه الأبيض. لم يكن الفضاء خاليا أمامه بل توجد مباني كبيرة تغطي معظم أجزاء الساحة وتسد الأفق أمامه حتى انه شعر بالاختناق فتوجه إلى الركن. تسللت إلى نفسه عشرون عاما واشتبكت بيومه. لقد حضر هنا في هذه الساحة عندما كانت منزلا واحدا من طابقين وسطوح، عرسا لا حدهم. كان يقف في ركن السطوح. عندها لم يتجاوز العاشرة. بحمل كل هذه السنين عاد يتحسس بأذنيه أنغام تلك الليلة. ارهف السمع اكثر لتزداد حدة الرياح قليلاً ويتبدى بعض الجمال مختلطا بأصوات العرس القديم. لم تكن الأصوات واضحة في البداية، لكن جمالها تدفق بعد ذلك بقوة جعلته ينتفض وكأنه يرتفع عن الأرض. في تلك السن الصغيرة كانت رقصات النساء تعني له ما يشبه المزاح الذي يصل إلى حد الإزعاج، وهذا ما جعله لا يتذكر غيرها من النساء. لقد شعر برقصها جزاء من عبادة تتحرر بها من ألم. عاد اليوم بحثا عنها وعن صلاتها تلك.
أجال النظر في أركان المبنى الكبير وهز رأسه متحسرا، إذا فقد تهدم المبنى القديم ودفن بكل ابتهاج تلك الليلة. تحسس بعينه مرة أخرى المكان. رغم الارتفاع البسيط عن الأرض إلا انه شعر بالمبنى الضخم وكأنه يتلاشى. لم يحاول أن يكذب عينيه بل أعجب بخياله هذا إلى أن تلاشى المبنى وتلاشت جميع المباني المحيطة وتبدى له البيت القديم مزدان بالعرس. إذا فلم يهدم بل كان مختفيا.
اقنع نفسه بذلك واتجه بخطوات هادئة وجسد مرتفع نحو البيت القديم.
أصوات الغناء تقترب وتصطخب حول أذنيه.
رائحة الهواء ملئ بالعطور القديمة ليختفي بين المدعوين كطفل صغير لم يتجاوز العاشرة.

