يحنّي شعر رأسه بين فترة وأخرى وعلى ما يبدو تأخر هذه المرة. لاحظت ذلك من تغير لون أطراف الشعرات الحمراء إلى البياض.
كان جالساً بجواري وأنا أراقبه يتكلم دون أن يعرف اسمي.
كنا نشترك معا في الحياة، هكذا فسرت ذلك.
تحدث عن الثلاثين عاماً التي قضاها في العمل المستمر وتقاعده. تفاخره الظاهر بإنجازه العملي جعلني أشفق علية. كنت انظر إلى الساعة مبتعداً عن كلماته ولكنه مستمر في الحديث. ثوبه ناحل اللون ولكنه نظيف. لم تكن تنبعث منه روائح كريهة. عدل من جلسته وأشعل سيجارة ثم استدار إليّ نصف استدارة متحمساً.
اعرف الكثير من كبار السن الذين يتكلمون عن ذلك الزمان الجميل ولكن هذا الشخص لا يبدو مسناً. كان مجرد رجل يجلس بجواري ويتكلم. اعرف أن حدسي سيقودني من حيث لا أدري إلى الهدف مباشرة لكنني مع جاري هذا لم استطع أن أفكر. انهمار الكلمات من فمه لا يترك لي مجال التعليق. كنت انتهز فرصة بلعه لريقه فالتفت حولي علني أجد شخصاً آخر يتركني أنا أتحدث معه وليس هو.
ممر الانتظار طويلاً وصوته يتردد داخله ويصطدم بأذني. انتبهت إلى اسمي يذاع فانتفضت واقفاً، سرت وتركته يبحث عن مستمع آخر بين جدران الممر.

