غرفة قديمة مظلمة بضوء خافت وباب مفتوح يوحي بقصر غامض

خطوات بقدم واحدة ..!

عندما تتصاعد أبخرة الأقدام ..

وتنغرس الرماح في النار ..

وتفوح رائحة القوة.

تبرق عيناك .. وترعد الأرض ..

لتمطر السماء دماء هم ..

هم ..

هم الأبرياء ..!

من أغنية قديمة لقبيلة لم يعرفها المؤرخون!

– سيدي إنه يطاردني ..

قالت ذلك مندفعة بقوة لا تعرف مصدرها. الخوف الذي في داخلها يهزها. يدفعها. فتجري مسرعة نحو غرفة سيدها. تدخل قاطعة عليه خلوته وسكونه المستمر. لم تكن تراه إلا مطلاً من نافذة هذه الغرف. لا يخرج منها وربما ينام بها. الغرفة ليست خالية تماما من الأثاث. هناك المقعد بجوار النافذة المغطاة بستائر تحجب نور الشمس تقريباً فتترك الغرفة غارقة في عتمة غامضة ومعها روائح أنفاس سيدها. فتحيل الغرفة إلى معبد مهجور. هناك السجادة القديمة التي تتوسط الحجرة فتزيدها كآبة. جثت عند ساقيه المتدليتين من الكرسي. لمست يداها ساقيْه. تراجعت إلى الخلف كمن لمس ناراً. فهذه أول مرة تلمس قدماً خشبية صلبة. لم تكن تعرف أن سيدها بقدم واحدة. وعندما رأته اقشعر بدنها. نظر إليها من تحت نظارته السميكة. نظراتها زائغة. تشعر بأن عينيها سوف تقفز إلى يدها. القوة التي في داخلها تمثلت عملاقاً أسود يرفعها من عينيها بأصابعه الطويلة ليقدمها قرباناً تحت أقدام سيدها ..

– لا تخافي، سوف أذهب لأرى ما السبب ..

– أرجوك يا سيدي ..

استند إلى عصاه واستجمع كل قواه ونهض. بريق عينيه وهو ينظر إلى الفتاة يهزها. وهي لا تعرف أين رأت هذا البريق. انتفض جسمها عندما بدا لها جسمه بطوله الفارع وهي جاثية على ركبتيها مصلوبة الحركة عند قدميه. تقدم إلى الأمام يسبقه صوت دقة قدمه الخشبية على الأرض متجها إلى الباب خطوة واحدة. شعرت بأن دهراً قد انقضى قبل أن يبدأ الخطوة الثانية. منذ أن أتت إلى هذا القصر اللعين وهي لا تعرف من أين يأتيها الانقباض الذي تعاني منه باستمرار. في قريتها لم تكن تشعر به. ترى هناك المأوى لنفسها البسيطة. من الممكن أن تسير دون أن يقف أمامها هذا العملاق ليُدخل إصبعيه في عينيها ويقدمها أرضاً ترتجف عليها أقدامُ الخائفين. تذكرت دخولها القصر وذهولها بحديقته المنسقة. لم تعتد على ذلك التنسيق في قريتها. كل الخضرة التي هناك لم تمسسها يد هذا المزارع العجيب الماهر. تقدم سيدها خطوة أُخرى. بدأت تدير رأسها نحوه. نظراتها زائغة عنه وعن الضوء الشاحب المتسلل من ستائر نافذة الغرفة. الضوء يحيط هواء الغرفة بهالةٍ موحشة. عندما وقفت أمام باب القصر الداخلي كادت أن تقول أنها رغم سنين عمرها الأربعة عشرة لم تر باباً كبيراً بهذا الحجم. والصمت داخلها رفض أن يفارقها. لم تعرف كيف فُتح الباب. وجدت نفسها تدخل بخطوات مرتجفة وملابس لعبت مع الشمس أياماً كثيرة فتغير لونها. في القصر كُل شيء كبير أشعرها بضآلة أحلامها. كُل شيء عالٍ أخجلها. كُل شيء قديم سرب الخوف إلى أعماقها. تقدم سيدها بضع خطوات أفاقتها من نظراتها الحائرة. وقع قدمه المفقودة وهي تدق على أرض الغرفة يرن كأجراس من صخر. عندما رأته أول مرة كان يجلس في هذه الغرفة، لم تشعر بنظراته. تتكلم معه وهي مُنْكِسَة رأسها. غارسة نظراتها بين قدميها. كعادتها عندما تخاطب أباها وهي مخطئة. كانت تشعر أنها مذنبة لعدم معرفتها بما في القصر وربما بالقصر نفسه. تقول في نفسها إن سيد هذا القصر الكبير لابد أن له شكلاً مختلفاً لا تعرفه. تنظر إليه خلسة وهو جالس بجوار النافذة ينظر إلى الحديقة. عندما يكلمها تهرب نظراتها بسرعة خوفاً من عينيه التي لا تعرفهما. وهذا الخوف لا تعرف من أين أتى ..؟

– إطعام الكلب هو أهم أعمالك اليومية .. فلا تنسي هذا ..!

لم تكن قد رأت الكلب الذي يتحدث عنه. وعندما رأته شعرت أنها أمام مخلوق خرافي. جميع أجزاء جسمه ضخمة جداً. وكانت بالنسبة له على الرغم من جسمها الممتلئ تبدو ضئيلة. دقت قدم سيدها الخشبية على الأرض معلنةً انتهاء خطوة أخرى في طريقه إلى باب الغرفة. أفاقت على دقاته تلك كأنها مطارق تنهال على رأسها. اهتزت الصور في ذاكرتها مع اهتزاز جسمه عندما يسير مستنداً على عصاه متمايلاً بانتظام محدثاً تلك الدقات البلهاء المرعبة. عادت إلى خوفها مرة أخرى. تدير جسمها نحو سيدها لترى ظهره العاري وقد تدلت عليه خصلاتٌ من شعر رأسه الأبيض. هذه هي المرة الأولى التي ترى وتدرك مدى طول شعره. منذ قدومها لم تر ظهره. كان دائماً أمامها بصوته الخشن ونظراته الجامدة. تذكرت خوفها وحاولت أن تعرف لماذا هي خائفة؟ .. لقد كانت متعبة هذا اليوم رغم أنها لم تفعل شيئاً. التفكير في هذا القصر يضغط على أعصابها فيبعث فيها خدر النوم اللذيذ فتستسلم للراحة. اشتدت عليها أحلامها البسيطة. لم تفق إلا وموعد غداء الكلب قد مضى عليه زمن غير قصير. شعرت بذلك عندما قدمت له طبقه، وهي تحاول أن تستعيد وترتب أنفاسها الضائعة، لسرعتها في إعداد طعامه والحضور إليه بأقصى ما لديها من طاقة. لم ينظر الكلب إلى الطعام. نظر إليها. تشعر أنه يكرهها منذ رآها أول مرة ولسبب مجهول. رأت تلك النظرات فانتفضت غرائزها الداخلية للدفاع عن نفسها. ألقت بنظرها على القيد الموجود حول رقبته والمربوط في الجدار. انهارت جميع حواجز الاطمئنان في داخلها. انتشر جراد الخوف حاصداً حقول أمانيها قبل أن تكتمل. بعد أن رأت القيد يتدلى من رقبته فقط وهو يزمجر مكشراً عن أنياب شيطانية. تراجعت ببطء إلى الوراء. لم تدرك ما تفعل ..! استدارت. اندفعت بقوة نحو حجرة سيدها بالدور العلوي بعد أن لمحت في عينيه بريقاً لامعاً إعلاناً منه بما يعتمل داخله من رغبه هجومية. لم تعرف كم مضى من الوقت وهي جالسة ولكن لدى رؤيتها لسيدها عند مدخل الغرفة شعرت براحة خففت من حِدة ارتباكها. بقامته الفارعة يسد الباب تقريبا. تقدم خطوة أخرى إلى خارج الغرفة محدثاً دقة بقدمه الخشبية على الأرض أيقظتها من تأملاتها. أخذت نفساً عميقاً. تسلل الهواء إلى صدرها ملوثا بأنفاس سيدها وبحرارة ذلك الجو المظلم. لم يكن هواءً نقياً ولكنه أراحها. ولم تنعم به لأكثر من لحظات، إذْ جحظت عيناها وهي تحاول أن تنظر من خلال عتمه الغرفة. لم تصدق ما ترى. لقد كان الكلب أمامها. ها هي تسمع أنفاسه المندفعة من أنفه كأنفاس ملتهبة لتنين صيني ضخم. أين سيدها..؟ لماذا يذهب..؟ كيف دخل من أمامه..؟ نظرت إلى عيني الكلب، لمحت البريق المرعب. نقلت بصرها إلى سيدها وهو خارج الغرفة عند الباب. تلاقت نظراتهما. كانت أول مرة تتلاقى. لمحت البريق نفسه فيها. تذكرت الآن أين رأت ذلك الخوف وتلك القوة وماذا يعني ذلك البريق. خارت قواها. رجت سيدها بنظراتها. توسلت إليه ..

– سيدي إنه هنا ..!

أغلق سيدها الباب من الخارج. أسند ظهره عليه ممسكاً بعصاه. وأخذ يتنفس ببطء ..