الصعود إلى أعلى ..
قد يعني أن تترك بعض الأشياء على الأرض ..
منها الجسد ..
من مذكرات ميت
1
شِعب عامر في مكة المكرمة .. كانت الحارة التي أسكن فيها ومع تشعب شوارعها إلا أنها لا تزال تسكن داخلي. رغم انفصالي العجيب الذي عشته فترة لا أعرف مدتها بالتحديد، ولا أعرف كيف تم هذا الانفصال. لم يكن الانفصال الذي أتحدث عنه وليد الصدفة فقد كنت أبحث عنه منذ البداية. فعندما كنت أذهب -كما اعتدت كل يوم- إلى فرن الخبز في طرف الشِّعْبْ. ورغم أن الطريق إلى الفرن طويل إلا أنني أجد متعة كبيرة وأنا ذاهب إليه. في ركن الفرن كُنت أجده. لم أعرف من هو..؟ أو لماذا هو جالس هناك..؟ ولكني أجده باستمرار. لم يتحدث إلى أحد ولم يكن أحد يكلمه. كان ككيس من الدقيق لا يعيره أحد أي اهتمام. في ذلك اليوم وبعد أن أخذت أقراص الخبز الساخنة تقدَّم مني. كانت مفاجأة أن أراه يقف أمامي بقامته المديدة ونظراته الزائغة، وبثيابه المتسخة. كدت أجري لولا شعور بداخلي لا أعرف ما هو جعلني أنظر إليه مستفسرا ..
– يمكنك أن تسير على الجدار.
– لو انطلقت بسرعتك القصوى نحو أي جدار لأي بيت .. فسوف تمشي عليه ..
تركته دون أن أجيب فلم أعرف ماذا أقول. كيف يمكن أن أمشي على الجدار..؟ لماذا يقول لي أنا هذا الكلام ..؟ كانت الفكرة غريبة ولكني شعرت أنها من الممكن أن تتحقق .. ومع لفحات الهواء الساخن، وحرارة الخبز الذي يلسع يدي، شعرت أني سوف أحترق .. وأسرعت الخطى إلى البيت ..
2
أن أسير بأقصى سرعة عندها أستطيع أن أمشي على الجدار .. أي جدار لأي بيت .. لم أناقش لماذا أرغب بالسير على الجدار..؟ بقدر ما تخيلت المتعة التي سوف أجدها لو مشيت على الجدار. وكانت محاولتي الأولى هي أن أجري بكل ما لدي من طاقة وأحاول أن أمشي على الجدار ولكنني فشلت حيث شعرت بألم شديد في قدماي واصطدمت يداي بالجدار مما نتج عنه خدوش في مرفقي ما تزال آثارها إلى الآن رغم مرور عدة سنوات على تلك المحاولة. لم يكن من السهل على شخص في الحادية عشرة من عمره أن يعيد المحاولة مرة أخرى في اليوم التالي. لذلك كانت المحاولة الثانية بعد عدة أشهر، حيث قررت أن أصعد إلى الجبل الملاصق لشعب عامر، الذي له طلعة تسمى “طلعة الملاوي”، ثم أنزل منها وأنا في كامل سرعتي علني أستطيع أن أسير على الجدار. لم تكن النتيجة كما توقعت، برغم أنني شعرت لحظة اندفاعي من أعلى الجبل أن هذه أقصى سرعة من الممكن أن أسير بها ذلك الوقت. كُنت ألمح وجوه النازلين من الجبل بجواري وهي تنظر إليّ باستغراب، وتحاول النظر خلفي علها تجد من يطاردني فيزداد استغرابها. لم أبالِ بأي شيء، فالفكرة مسيطرة عليّ تماما. نظراتي متركزة على الجدار الذي أمامي وبدأت أتخيل لحظة سيري عليه. ومع اقترابي السريع جداً من الجدار زادت متعتي بالاندفاع وأصبحتْ كل حواسي متداخلة، ولم أعد أستطيع أن أتحكم في قدميّ. كُنت موقنا وأنا أشعر بالهواء يصفر بجوار أذني أنني سوف أطير على الجدار ولن أمشي فقط. إلا أنني لم أسر على أي جدار بل اصطدمت به وأغمي عليّ.
3
كان الألم في جميع أجزاء جسمي وذراعي اليمنى مكسورة وصوتي غريب على أذني كأن شخصاً آخر هو الذي يتكلم. كل هذا زاد من الفترة الزمنية التي سوف تكون بين هذه المحاولة والمحاولة التالية. فأنا كُنت موقنا أن المحاولة التالية سوف أكون فيها أكثر تركيزاً من سابقتها. وأتمالك زمام نفسي في السرعات العالية. نعم، فآخر شيء كنت أشعر به هو تداخل المشاعر وفقدان السيطرة على حركة الأقدام. لن يكون هذا في المرة القادمة. سأكون أكثر قوة. الاندفاع وحده دون تحكم لن يفيدني. بعد عدة سنوات كانت نظرات زملائي في المدرسة غريبة. كُنت أسمعهم يتهامسون عن الحادث وكأن مساً من الجنون قد أصابني
– لقد سبق جميع السيارات ..
– إنه مجنون ..
– لم يعد يستطيع الكلام ..
– لقد كسرت رجله ..
– لماذا فعل هذا بنفسه ..؟
كُنت أبتسم وأنا أراهم يبتسمون لي في محاولة منهم لإخفاء ما قالوا. لم يكن كلامهم صحيحاً ولكنه أيضا لم يكن كذباً. فأنا قد كُسرت رجلي ولكني أستطيع الكلام. لقد سبقت جميع السيارات ولكني لست مجنوناً.
4
لم أكن مستعدا تماماً للمحاولة التالية، لذلك لم أفكر في المحاولة التالية طوال السنوات العشر التالية .. كُنت خلالها أستعيد ذلك الإحساس العجيب الذي يسبق الجدار ..
– ولكن أنت الآن في الخمسين من عمرك .. كيف تفسر اندفاعك ..؟
ليست لدي أية تفسيرات قد تقتنع بها. ولكن كانت هذه المحاولة صدفة، رغما عني. فأنا أخاف الكلاب وأنظر إليها على أنها حيوانات عديمة الفائدة في مكة. فقد تكاثرت وشكلت خطرا يهدد جميع سكان شعب عامر، لذلك كنت أتحاشى أن أتعرض لأي كلب خوفا من أن تنزل جميعها من الجبال المحيطة بالشعب. ومع ذلك كان لقائي بها. لم يكن كلباً واحداً بل كانوا ثلاثة. كُنت خارجاً من البيت وكان الزقاق ضيقاً. لم أر الكلاب من خلفي فقد كُنت متعباً من السهر ولم أنم جيدا. عندما بدأت بالنباح التفت إليها بقوة المفاجأة. لم تترك لي أية فرصة للمقاومة أو التقاط حجر. كأنها تعرف ما في نفسي تجاهها. وبدأت بالجري نحوي. لم أجد أمامي سوى الجري هربا منها. لحظتها لم أهتم بما قد يقوله الجيران عني. وأنا نفسي لم أعرف من أين أتت لقدماي كل هذه الطاقة. كان اندفاعي شديداً خصوصا أن الشارع الذي أسكنه منحدر. كُنت أسمع نباح الكلاب يبتعد وأشعر أن جسمي من الممكن أن يطير وليس أن يمشي على الجدار. هذه اللحظة هي التي أعادتني إلى الفكرة القديمة. الحواس مرتبكة كأنها نسيت متعة الاندفاع. أو كأنها متربة من الهجر وعدم الاستعمال. الخوف من الكلاب قد تلاشى وبدأت متعة الاندفاع تداعب عقلي، ذلك الاندفاع الذي كان يعود كالقذيفة إلى الوراء سنين كثيرة. الصور تمر أمامي دون أي معالم. ولم أكن أطيل النظر فيها. كنت أبحث عن إحساس معين عبر الزمن. كان هذا الإحساس بمثابة الصورة التي ينسحب الضوء منها عندما تندفع الذكريات مسرعة نحو الماضي. وصلت إليها ولكن بفارق زمني كبير. لم أهتم كثيرا. كنت أستمتع بالاندفاع. لم أكن أرغب في أن أكرر غلطتي مرة أخرى. فقدماي تحاولان أن تقاوما مقدرتي على التحكم بهما. لم أدرِ ما الذي أصابني فأنا أشعر بقدمي ولكني لا أستطيع أن أتحكم بهما. كانتا تقوداني إلى الجدار باندفاع شعرت به من الهواء الذي يصفر بجوار أذني. لحظتها أدركت أنني وقعت في نفس المشكلة القديمة. لم يكن لدي وقت كي أتصرف. قبل أن أصطدم بالجدار رفعت قدمي ووضعتها عليه في محاولة أخيرة للمشي على الجدار. لا أستطيع أن أصف ذلك الشعور والألم الذي كُنت فيه. فقدمي تنفصل عن ساقي لقد لمست الجدار بعظمة ساقي. وساقي تنفصل عن فخذي وركبتي تغوص في صدري. لقد لمست بها نبض قلبي. وتكوم جسمي على الأرض كتلة ممزقة ودامية من لحم وعظم. ثم بدأت قدماي بالمشي على الجدار بدون جسد ..!

