إلى: عيد الخميسي
كنت شديد الاقتراب من الجسر عندما شككت في قوت تحمله للسيارة التي أركبها فتوقفت. الجو ملبدٌ بأصوات بعيدة بدت تقترب، والشمس لا تكاد تُعْتَق من بين السحاب. رائحة نفاذة تصاعدت الي ببطء وكأنها تتسلل من مكان ما. في البداية حسبتها رائحة لحيوان ميت تحت الجسر، لكني لم أجد شيئاً عندما اقتربت منه.
– “أكان قبراً مفتوحاً”.
هكذا خطر لي. أخذت أتفحص المنطقة حولي ربما أجد شيئاً يدلني على القبر. دُرْت حول السيارة متشمماً الأرض. شعرت بجفاف التراب الشديد، فأيقنت أن هذا الجسر لن يتحملني. فهو لا يبدو جسراً. كان أقرب إلى صندوق خشب متشقق ومحشور بين طرفي الطريق “الإسفلتي”. السماء تنذر بالمطر و أكاد أجزم أنها ستسحب الصندوق بعد أن تبدأ بالهطول. يبدو غريباً وضع الجسر في منتصف الطريق المزدوج. ربما كان مجرى سيلٍ قديم. لكنني متأكد من صحة الطريق الذي يجب أن أسلكه بعد أن خرجت من المنزل.
أوقفت السيارة (خارج) الطريق، اقتربت اكثر من الجسر.بدأت امشي عليه. سمعت صوت الخشب يئن تحت قدمي وكأنه يتألم. كانت السيارات قد حفرت أخدودين عميقين، وأحياناً تبدو أربعة. لم يكن للجسر حواجز خشبية، أو هذا ما كنت أعتقده في البداية، عندما لاحظت بقايا الحواجز المتكسرة كأنها عظام سوداء. لم استطع عبور الجسر فتراجعت ونزلت محاذاته. كنت أعرف منذ أول النهار أن هذا اليوم ليس لي. فقد صحوت في منتصف النهار وصداع يكاد يقسم رأسي. السماء الغائمة بلا ماء. و”مكيف” السيارة لا يعمل. وإطار السيارة معطوب. كدت أنزلق على الصخور الصغيرة بجانب الجسر لولا أن تداركت توازني وانحدرت بسرعة في محاذاة الجسر. أحسست وكأنّ هناك شيئاً يجذبني إليه. نظرت إلى السيارة، كانت بعيدة قليلاً ومرتفعة. الرائحة تسيطر على الهواء كأنها تخنقه. اقتربت أكثر من الجسر فربما يوجد حيوان ميت يبعث هذه الرائحة العطنة. نظرت بحذر فلم أجد غير الهواء يصفر خلاله ومخلفات أغنام مبعثرة حول قاعدته. يبدوا انه معبراٌ للماشية.
تخللت بعض الأتربة والأحجار الصغيرة قدمي. أحسست بألم خفيف في قدمي اليمنى. كان جرحاً صغيراً لم أعره اهتماماً، لكنه بدا يؤلمني. نظرت إلى الجرح، كان عود صغير من الخشب انتزعته بسرعة وانتصبت واقفاً. شعرت أنني لست وحيداً. تطلعت حولي لأتأكد من وحدتي. نفضت التراب عن قدمي ولم أتطلع إليها. بدا الجسر كأنما أقيم من حديد بينما الخشب مجرد قشرة. أخذت أتلمس الخشب بحذر. نسمات الهواء بدت باردة مع اختفاء الشمس البطيء أشعراني بأن هناك شيء يهمس. لم تكن الجراءة تنقصني غير أن الحذر جعلني أتلفت حولي مذعوراً. دقات قلبي تزايدت مع تسلل الخوف إلى أعماقي ممزوجاً برائحة الموت (المتعفنة) حولي.
“إنها أصوات الأشجار عندما يتخللها الهواء”
كنت أُصبِّر نفسي كي أصل إلى السيارة. ازداد الهمس ارتفاعاً وكأنه نواح. كاد قلبي يتوقف من الرعب بعد أن تحول النواح إلى صفير متهشم. كانت سيارة قادمة بسرعة. ترددت في تنبيه السائق إلى خطورة عبور الجسر. سوف أشاهد حادثاً مروعاً. اقتربت السيارة وانطلقتْ نحو الجسر. عندها جلستُ خلف المقود وأنا أفكر في العودة إلى المنزل بسرعة.

