في مكة وعلى جبل الشراشف، هناك فوق، على القمة، عند الطرف المقابل للسماء، كانت تسكن. الطريق إليها متعرجة ومليئة بمتفرقات لا تجتمع إلا على هذا الطريق. أحجار صغيرة وكبيرة نوعا ما. بقايا جافة لمخلفات الحمير. علب فارغة ألوانها باهته. عظام دجاج منخورة ومكسرة الأطراف. سحالي الجبل (أم صالح). وكمية هائلة من الأتربة. تصادفك كلها متناثرة على طول الطريق وعرضه حتى تصل إلى بيت خالة قدرية الشايفه حيث أقف الآن أمام باب بيتها، (انهج) من التعب. لم اطرق الباب بل استمريت في الوقوف منتظراً أن تلحقني أنفاسي مع قليلاً من الهدوء. لم أشاهد تفاصيل ما حولي ولكن يبدو هذا الجزء من جبل الشراشف لم تمتد إليه وسائل النقل الحديثة. ظل كما هو منذ أن كانت هناك نساء يصعدن الجبل وعلى أجسادهن شراشف. كانت هذه حكاية يتناقلها الكثيرون في مكة عن مجموعة من النساء يشاهدن من الجبال المقابلة يصعدن الجبل وعلى أجسادهن شراشف يطيرها الهواء فيبدون كطيور كبيرة شفافة تصعد الجبل ببطء. كن يوميا يصعدن في العصر ولا يشاهد احد متى يعدن وكأنهن صعدن إلى السماء. ولكنهن يعاودن الصعود عصر اليوم التالي. ليسمى بجبل الشراشف من الجميع. كانت شراشفهن، بكل تاكيد، تبرد صخور الجبل عند صعودهن اليومي، تلك الأيام، فقد ضل الجبل لسنوات باردا ممتعاً في الصعود وكأن أشعة الشمس تتجنبه مهما كانت الشمس قريبة من الارض. منزل خالة قدرية الشايفه يقبع في طرف جبل الشراشف المطل على مكة الغائبة. تتمدد أطراف البيت الصغير باستسلام هواء متعب على صخور الجبل.
كنت قد هدأت قليلاً. طرقت الباب ولكنه تراخرى أمامي. لقد كان مفتوحاً. الوقت عصراً بارداً ولم أكن قد عرفت أن خالة قدرية الشايفه لا تقفل الباب طوال النهار حتى أذان صلاة المغرب. ربما تقفله بعد ذلك خوفا من القطط والكلاب المتناثر على الجبل. لم أتوقع أنني قد اقتنع بقدرات خالة قدرية الشايفه والتي كثيراً ما تحدثت النساء عن ذلك عندما يجتمعن مع زوجتي.
عمتي (أم زوجتي) كانت مقتنعة تماماً بقدرات خالة قدرية الشايفه بل ومهتمة بأخبارها الى اقصى درجة. كانت تتحدث عن خالة قدرية الشايفه وكأنها أعلى من البشر وكثيراً ما تحدثت عن قدرتها الكبيرة على الاجتماع بالأموات. ليس ذلك فقط بل وإيصال رسائل إليهم من ذويهم.
كنت قد ذهبت مع زوجتي لزيارة أهلها عندما تحدثت إلى عمتي، وهي لا تترد في الاستمرار في الكلام منذ قدومي حتى مغادرتي بيتهم. ذلك اليوم خصصته عن خالة قدرية الشايفه وقدرتها على الحديث مع الأموات.
“هل تذهب إلى المقبرة لتتحدث معهم..؟” سألتها مباشراً ومستغربا ومتهكماً في نفس الوقت.
أعتبر كل هذا لتمضية الوقت، فعمتي من النوع الذي يصدق كل شيء ومؤمنه بان هناك جن. بل وتعتقد بقدراتهم الخارقة على البشر وأنهم، أي الجن، من الممكن أن يحرقوا النساء إذا لم يتزوجهن. كما إنها تحكي لي، وقد أعادت نفس الحكاية مرتين، كيف إنها هربت من شيطان كان يتعقبها لأنها كانت أجمل من بنات الجن الموجودات في الحارة! وكيف إنها اختبأت في المسجد الذي كان يترك مفتوحا طوال اليوم. ضلت مختبئة فيه إلى أن دخل المؤذن إلى المسجد وأذن لصلاة الفجر، لتعود إلى البيت دامية القدمين. بقيت بعدها طوال ثلاث أيام تقرأ المعوذات وجزء من القران ثلاث مرات قبل أذان المغرب وقبل صلاة الفجر، كما أشارت إليها خالة قدرية الشايفه.
كانت عمتي –تستلمني- بمثل هذه الحكايات كلما أتيت لزيارتهم أنا وزوجتي خلال سنوات زواجي الثلاث. عمي (أبو زوجتي) يتركني ويذهب إلى بعض أعماله التي لا تنتهي وكأنه ينتظر قدومي ليذهب، لدرجة جعلتني لست متأكد من معرفته تماماً فهو تقريبا لا يجلس معي عندما أتي، مع أن عمتي تعتبره (بيتوتيا) ولا يغادر البيت كثيرا بلا سبب! اشعر انه يتعمد تركي معها ربما ليرتاح من حكاياتها ومعتقداتها فقد كانت تقريبا لا تصمت وسؤالي، التهكمي، لها ذلك اليوم عن خالة قدرية وزيارتها للمقابر كان مباغتا لها. أدركت ذلك من نظرتها إليّ وكأنها لا تصدق أنني أتهكم عليها بهذا السؤال. أرخت عينيها بحزن آلمني وأجابت باقتضاب “لا..كانت تذهب إليهم في الحلم..!” تركت الحجر متعذرة بإعداد العشاء. لم أكن مهتما كثيراً بحكاياتها فقد تعودت عليها رغم غرابتها، كنت فعلاً معتادا تماماً عليها. كل ما في الأمر أنني امضي ساعتين أو ثلاثة في كل زيارة واخرج. ولكنني بذلك السؤال أربكة علاقتي بعمتي. تأثرت كثيرا لذا سارعت لمصالحتها فقد كانت دائمة الاحتفاء بي ويحزنني أن تتألم من سؤال غبي ليس له معنى. لم تستجب لاعتذاراتي المباشرة وغير المباشرة حتى عندما عدت بعد أسبوعين؛ لم تتحدث عن خالة قدرية الشايفه رغم استمرارها في سرد حكاياتها الأخرى. سألتها عن خالة قدرية وشعور بالذنب ملازما لي تجاهها “هل خالة قدرية الشايفه على قيد الحياة..؟”. لم تجبني بل (صبت) الشاي وكأنها لا تسمع ما أقول، فعمي كان يتكلم لحظتها. لم اعد عليها السؤال. لاحظ عمي أنها توقفت عن سرد حكاياتها وما يقوله النساء في الحارة من أحداث جديدة تؤكد صحة معتقداتها عن خالة قدرية الشايفه. يومها انتظرت بعض الوقت حتى خرجت عمتي لأمر يبدو أنها تذكرته، وأنا اجزم أنها لا ترغب في الحديث معي فقط. نظر إليّ عمي معاتبا وسألني عن سبب (زعلها) فأوضحت له أني لم اقصد وأنها ربما (تتدلع) على زوج بنتها الصغيرة. انتشى عندها عمي وكأنه امسك بشيء ثمين ليذكرني بمثل (مكّاوي) قديم لم اسمعه من قبل “دلع الكبار زي الشقدف على الحمار” كان مبتهجاً وهو يقول المثل بصوت منخفض لتدخل عمتي لحظتها وتشاهد بريق عينيه وأساريره المنبسطة. تساءلت صائحة بتأكيد “كنتما تتحدثان عني؟ أليس كذلك؟” خرج عمي مسرعا وهو يتمتم “لم نتحدث عنك ولا عن غيرك .. مع السلامة”. اعرف عمتي وإعجابها بالأمثال (المكّاوية) القديمة. كنت خائفا أن تعاود حكاياتها المتفرقة الأخرى قبل أن نسوى موضوع خالتي قدرية الشايفه لذلك بعد أن جلست أسرعت وقلت لها “حبيبك يمضغ لكْ الزلط وعدوك يعد لكْ الغلط”. استغرق وقت تطيب خاطرها ولكني أدركت أنني يجب أن أكون حذراً معها في المرات القادمة.
خالة قدرية الشايفه كانت تنام ثم تحلم بالأموات. يأتيها النساء وكل واحدة منهن تطلب منها شيء فهذه تسألها أن تطمئن على زوجها المتوفى أو أبوها أو أخوها والأخرى تريد السلام على جدها وثالثة على ابنها الصغير الذي مات في حادث سيارة العام الماضي وأخرى ترسل كلمات خاصة لا يسمعها احد. كانت خالة قدريه الشايفه تتقبل أربع أو خمس رسائل فقط بعد ذلك تغلق باب بيتها حتى قبل أن يؤذن لصلاة المغرب. لم يكن احد يطرق الباب. الجميع يدفع الباب برفق ويدخل، وإذا ما وُجِدَ الباب مقفل فيجب الذهاب والعودة في اليوم التالي بعد صلاة العصر مباشرة. كنت استمع لعمتي بلا اقتناع ولكن باستغراب. قناعتي كبيرة بأنها تبالغ ولكني يجب أن احذر وأجامل بقدر المستطاع. كما أننا في القرن الواحد والعشرين والزمن هو للعلم والتكنولوجيا حيث انتشرت الانترنت والفضائيات في كل بيت، ليس زمن الخزعبلات والخرافات وحديث العجائز!
تابعت عمتي حديثها عن خالة قدرية الشايفه وكيف إنها تكبرها بسنوات فقد كانت عمتي تحبي على الأرض وخالة قدريه الشافية تلعب في الشارع. كانت خالة قدريه الشايفه في صغرها عندما تنهض، قبل أن تكتشف قدراتها، لا تتحرك ولا تنهض من فراش النوم بل تبقى ممدة ومفتوحة العينين تنظر إلى أخشاب السقف لتعد تشققاتها الكبيرة في البداية ثم التشققات الصغيرة. لم يكن هذا خياراً تستطيع أن ترفضه ولكنها كانت لا تستطيع الحركة فقد كانت أحلامها تقيدها إلى الأرض كما حكت هي بنفسها. كانت تقول أحياناً إنها تكلمت مع أبيها الميت وانه سألها عن ارض له لا يعرف عنها احد شيء اشتراها قبل أن يموت بأسابيع قليلة. تأكدت والدتها من الأرض في أعلى جبل الشراشف والتي بعد ذلك أصبحت منزلهما إلى الآن. فقبل انتقالهم من منزلهم القدم بسنتين كان الناس قد خافوا كثيرا من خالة قدرية الشايفه وأصبحت بعض المشاكل ملازمة لهما. تأكد الجميع من قدرتها على الأحلام والتحدث إلى الموتى، وأصبحت قدرية الشايفه تتحدث إلى أبيها وكأنه عائش بينهما.
خاف جميع الجيران منها واعتقدوا أن الجن والشياطين قد مستها بأجنحتها النارية. ليتطيروا منها ومن البيت الذي تسكن فيه. اذا صادف ومر احد من البيت يتعوذ من الشيطان. وتزايد التطير بسرعة بعد ان استأجر احدهم مقرأ لقراءة القران واجلسه عند بابهم ساعة واحدة في أول النهار. ليستحسن الكثيرون هذا التصرف ويتعاقب المقرئون على عتبة بابهم وكأنهم يجلسون عند قبر. قرر بعضهم وضع آية الكرسي على جدار البيت والفقراء المتعلمين كتبوا بعض آيات القرآن ووضعوها بين شقوق الجدار أو رموها داخل البيت عندما تكون إحدى النوافذ مفتوحة وكثيرا ما أدخلت من تحت عقب الباب. كانت قدرية الشايفه تكنس الدهليز مرتين يوميا، في الصباح وفي العصر، وتحرق هذه القصاصات في (سطل) من حديد بعد المغرب. فبعد أن تجمع كل الأوراق المطوية والمربوطة بخيوط وكثيرا ما تكون مكورة؛ تضعها في (السطل) وتصعد إلى سطوح بيتهم بعد انتهاء صلاة المغرب. الجميع حولهما يعتقد أن المغرب غريب ويجب عدم رمي الغرباء الآخرين بعد هذا الوقت. تضع (السطل) المسود أمامها وتشعل في الأوراق النار وتنتظر احتراق جميع الأوراق وتتأكد من ذلك بتقليبها بسيخ من الحديد حتى تتحول الأوراق إلى قطع سوداء خفيفة يطير الهواء بعضها لتختفي وسط الليل. تغطي (السطل)، بعدها، وتتركه في السطح. في اليوم التالي تفرغه في كيس فارغ من الاسمنت وجدته يوما وهي عائدة. كان كيس الاسمنت يمتلئ كل شهرين أو أكثر لتحمله في الليل، حتى لا يراها احد، وتفرغه في البيت المتهدم الذي أمامهم، تلك الأيام، والذي تحول إلى مرمى للنفايات لجميع بيوت الحارة. تعود إلى البيت والهم قد خف قليلا عنها لتغلق الباب بلا صوت.
كانت قدرية الشايفه وحيدة أمها بعد أن توفى والدها بالملاريا في إحدى سنوات هذا المرض وكان عمرها سنتين. تزوجت أمها بعد ذلك بخمس سنوات من رجل آخر ولكنه ما لبث أن مات هو أيضا لكبر سنه، لتعزف أمها عن الزواج نهائيا، خصوصاً بعد أن اكتشفت إمكانات ابنتها. جلست أمها معها سنوات طويلة وحيدتين وكأنهما أختين.
لم تستطع قدريه الشايفه الزواج. أصيبت بخوف شديد من الأحياء، ولم تقدر أمها أو حتى عمتي من معرفة سبب خوفها أو لماذا لا تريد الزواج ليتأكد الجميع أنها (مخاوية) أو مصاحبة للجن ولم يسمحوا لها بالزوج بعد. كثيرون راهنوا أنها لن تتزوج طوال حياتها وهذا ما حصل بالفعل.
كانت في احد الايام تقف وتنظر إلى الشارع من نافذة غرفتها في الدور الثاني، بمنزلهما القديم في منتصف الحارة بعيدا عن جبل الشراشف، لتقفل النافذة بعد اقل من ربع ساعة. لم تخرج من الغرفة لأسبوع كامل. أصيبت بنزلة برد قوية وارتفعت حرارتها كثيراً حتى أن أمها شعرت أن ابنتها ستموت. تقيأت أكثر من عشرون مرة خلال ذلك الأسبوع الى أن اصبح قيئها في المرات الأخيرة اخضر و فيه قطع صغيرة من اللحم الأحمر. فقدت ربع وزنها في أسبوع. كانت في السادسة عشر وجمالها متوسط وان كان الجميع يرى أن في بياضها الناصع سر جمالها الكامل. شعرها ناعم أخذته من أبوها القادم من أصول اندنوسية؛ أمها من عدن كل هذا جعل منها تناسق عرقي غير عادي. لوقفتها ذلك اليوم التباس وتفسيرات جعلت من أمها جنونا ليس له حدود. لقد اقتربت ابنتها من الموت واستدعيت الداية لسؤلها عن سبب المرض وطلب العلاج. أعطتها بعض الاعشاب الخاصة وامرتها ان تغليها ثم تسقيها. استمرت طوال اسبوع تغلي الاعشاب وخالة قدرية الشايفه تتجرع مرارة الدواء وتتصارع مع حرارة جسدها.
كان أسبوعا لا يعرف الرحمة لا على قدرية الشايفه و لا على أمها؛ إلى أن خفت الحرارة وتماثلت للشفاء في الأسبوع الثاني. نامت بعد ها ثلاث أيام كأنها لم تنم طوال حياتها.
عندما نهضت من رقدتها الطويلة لم تستطع أن تعود كما كانت. أمها شعرت بأنها لم تعد قدرية السابقة. لم تحدد ما بها ولكنها بدت منكسرة. كثيرة السهوم وكأنها لا ترى الآخرين. تدخل الربكة الى كل النساء اللاتي يتحدثن معها أو قابلنها بنظرات مباشرة. توزع الخوف بصمتها وعيونها الشاردة. تجلس أمها بجوارها تكلمها عن خطاب قدموا للزواج منها. تتحدث عن مواصفاتهم واخلاقهم. كانوا ثلاث خطاب تقدموا إلى أمها والباقون لم يستطيعوا التقدم. رفضتهم جميعا بلا تردد.
كانت عمتي تسرد علي هذه التفاصيل بفخر واعتزاز بذاكرتها الدقيقة والقوية. لدرجة أشعرتني أن عمي ربما يكون احد الخطاب الخائفين من خالة قدرية الشايفه. في نفس السنة مرضت أم قدرية الشايفه، أصابتها سخونة شديدة شفيت منها وهي مشلولة النصف السفلي. كان مرضها هو ما نسميه اليوم بالحمى الشوكية والتي تنتشر في الحج؛وقد كان مرض أم قدريه الشايفه في بداية الحج.
كانت خالة قدرية في الثلاثينات عندما أخذت أمها المقعدة وصعدت إلى أعلى جبل الشراشف لتستقر في مسكنها الحالي إلى اليوم. هربت من الناس وتعويذاتهم فقد تعبت من حرق أوراقهم وهروبهم منها. والآن بعد أن بلغت السبعين أمها لا تزال بجوارها، متهدمه ولا تدرك ما حولها.
تبدل حال الحارة، مع مرور الوقت. وبدل من اختفاء الناس ونسيانهم خالة قدرية الشايفه أصبحت مطلب لهم يأتونها من أطراف مكة وجميع انحاء المملكة بل ان آخرين يأتون من دول الخليج كعُمان والإمارات والبحرين، خصوصاً بعد انتهاء الطفرة المادية التي عشناها في مكة وبعد أن عاد الناس أو معظمهم إلى كونهم أناس عاديين مع بعضهم كثير من المال، صاروا يأتونها بكثرة. يأتي إليها العجائز والشباب للسؤال عن أقاربهم الموتى.
كنت قد دفعت الباب ودخلت بيت خالة قدرية الشايفه وأنا أقف داخل بيتها لا اعرف ماذا افعل وسط هذه العتمة حتى وصلني صوت متسائلاً “ماذا تريد؟” درت وتلفت حولي كنت في صالة مؤدية إلى غرفة أخرى ولا يوجد احد. احترت لم أكن أرى أحدا عندما دخلت. كان الدهليز صامت ممتدا أمامي إلى أن انتهى بهذه الصالة التي أقف عند مدخلها. من العتمة تبدت اجزاء جسدها. لتظهر أمامي ممشوقة القوام بسنواتها الكثيرة. بدت لي وكأنها خرجت من العتمة وثنايا جلدها الأبيض اكتست بعض الظلال زاد من وقارها. تلبس فستانً قديما، قد يكون ثوب مغربي باهت الألوان. في وقفتها كانت تمسك بيدها المجعدة حلق الباب الخشبي. تحشرجت الكلمات في حلقي ولم أجد صوتي،كانت اول مرة خالة قدرية الشايفة وكانت لحظات طويلة تذكرت بعدها أنني لم أصلي العصر فطلبت منها أن أصلي دون تردد. كان صوتها جلي وهي تجيب بقوة “لا تصلي هنا”.
لم أكن احتاج إلى مزيد من الإيضاح. ولم أفكر في الحوار معها فقد تلبك الكلام في فمي ولم استطع أن اخبرها بشيء ولا لماذا أتيت ولا حتى رغبتي في سؤالها عن كيفية التحدث إلي الأموات. كل هذه التساؤلات تبخرت وشعرت بهزيمة كبيرة خرجت بعدها مسرعا دون أن اقفل الباب خلفي. استقبلني الهواء وانتعشت. لم اسمع صوتها يتبعني، فقد أخبرتني عمتي أن خالة قدرية الشايفه عندما لا يعجبها موقف أو كلمات، كانت تصرخ ولا تتحكم في صوتها فتتركه يتبع الآخرين طوال اليوم وكأنها تتحدث بجوار إذنه. بعضهم ذكر انه، ولاسابيع، يسمع صوتها كل يوم في أحلامه وفي الصباح الباكر.
اعتاد أهل الحارة على خالة قدرية الشايفه وتصرفاتها منذ أن كانت صغيرة قبل حادثة النافذة بل أن رفضها للزواج لم يعد يذكر مطلقا وكأنها تزوجت بالفعل. ولقد أطلق الناس من حولها لقب الشايفه بعد أن تأكدوا من قدرتها على الحديث إلى الأموات؛ اسمها الأول كان فقط ليتذكر والدها أمه، ليصبح اسمها قدرية الشايفه. شعر الجميع بالراحة وكأن هذا الاسم يشير لما بعد الحياة.
مع الوقت صار لوجود خالة قدرية الشايفه وقع خفيف على الناس المحيطين بها حتى أنها عندما تركت المنزل في أسفل الجبل وصعدت إلى هذا المنزل في أعلى جبل الشراشف انتشر لدى الجميع إحساس بالفقد المريح. لم يعترض احد ولكن صمت عم على البيوت المجاورة وشعر الناس بأن جبل الشراشف قد ازداد برودة وأصبح أكثر احتمالاً للحرارة. الآن، بعد أن خرجت من بيت خالة قدرية الشايفه، يجتاحني انتعاش من كل الصخور القريبة مني والبعيدة والمنتشرة على سطح الجبل.
لم أتردد بالنزول والذهاب إلى البيت وشعور الخيبة يملأني. لم استطع تجاوز تفاهة ما أفعل. كيف أتناسى كل التراكمات الحضارية على مر القرون الماضية والتطورات التكنولوجية المستمرة، ثم اذهب إلى خالة قدرية الشايفه لتعاملني كما تفعل مع الجهلة والمتخلفين عقلياً. لم ابتعد طويلاً عن خالة قدرية الشايفه على الرغم من شعور التفاهة هذا فقد كانت لديها مقدرة هائلة للإجبار على العودة. نظراتها. كلماتها. صوتها. عضلات وجهها. ربما أطرافها أيضاً. فقد شاهدتها تحرك يدها اليمنى. ما يهمني هو أنها تسحبني للعودة إليها مرة أخرى. نسمات الهواء التي أتت من جهتها عندما كانت واقفة أمامي اتحدت مع نظراتها وتكونت لدي الرغبة للعودة إليها وكأنها طلبتها مني.
عندما وصلت إلى بيتها، عصر اليوم التالي، لم اطرق الباب بل دفعته ودخلت. كانت كما حلمت بها تجلس على سجادتها .. ومسبحتها تتحرك بين أصابعها .. وبعض البياض قادما من السقف. “اذهب وصل العصر في الغرفة” كان كلامها لا يحمل الحزم فقط ولكنه يتناسب مع برودة جبل الشراشف فلم أتردد في الذهاب إلى الغرفة حيث أشارت.
أنهيت الصلاة وتذكرت حادث السيارة الأخير. كنت مسرعاً وتوقفت السيارة وأنقذفت بعيداً ومت. أتتني صورة موتي وأنا التفت نحو الباب حيث كانت خالة قدرية الشايفه تقف بجسمها النحيل. بادرتني بكلامها وكأنها كانت تنتظر انتهائي من الصلاة “أتت عمتك وتسلم عليك” كانت نظراتها ثابتة و أنا متعب. أعادتها مرة اخرى. كانت الصلاة قد أراحت أعصابي وهدأت من نفسي، فلم اشعر بشيء. صوتها بدا بعيدا وأطبق البياض على السقف وجميع الجدران من حولي.

