من بين ذرات التراب انبثقتِ، رأيتكِ تسيرين. لم أتحرك من مكاني، ولم اقترب منكِ. بخجل المنازل الطينية تتعانق مع البيوت الإسمنتية القاسية. تتقدمين إلى نفسكِ باجتهاد. وتشدين عباءتكِ السوداء لتبدين كليل بلا نجوم.
انتصبتُ واقفا خلف الجدار عندما سِرتِ بمحاذاة حافة البئر. كان جافا تماماً. وصوت قدميكِ الحافيتين يصل ميتا إلى أذني. التصق بالجدار الطيني المتهدم لأرى قدميكِ تثيران القليل من الغبار. لا تخافي سيري بحذر. لا تلتفتي إلى الخلف لن يعرفكِ أحد. الجميع ممددون على أسرتهم القطنية.
للحمام الذي ترين عيون نائمة تماما كالقط الذي في طرف البئر الأخرى. وجهي لن يُرعبكِ كثيرا. اعرف أن سَوادَهُ غريب. ولكنني أعرف من تكونين.
لماذا أسرعتِ .؟ أنا لم أتكلم وأنتِ لم تريني والصمت مزق أذني. فلماذا تنزعجين؟ لا. لا. سيري كما كان حذركِ من قبل.
تترنحين الآن. نسمات الليل الساكنة تدفعكِ نحو البئر. لا. ابتعدي. ابتعدي. ستسقطين احذري. تمسكي جيداً فالحافة قاسية ويداكِ أفلتتا العباءة الممزقة. هيا ارفعي نفسكِ. ارفعي بقوة فأنا متحفز. لا ترخي أصابعكِ. حاولي الصعود بقدميكِ. لقد اشتدت أنفاسكِ. لا تصدري أي صوت. حاولي فأنا أتقدم إليكِ. اقترب من حافة البئر. لا تنظري إلى القط فسوف يذهب بعيداً. لا تصدري أي صرخة. عيناي تراكِ. فزعكِ يشجيني كثيرا. أمد لكِ يدي بقوه. هيا تمسكي بها جيدا. البئر سحيقة ولن يسمعكِ أحد داخلها. لمست يدكِ الطرية. اعطني اليد الأخرى الدامية. لا تترددي. أستطيع إخراجكِ من البئر. هذه الشيخوخة التي ترين أنا لا أعرفها. هي التي جاءت قبل سنوات. أرتجف قليلا ولكنكِ خفيفة. أسْحبكِ بقوة. ساعديني أنتِ أيضا. ضعي رجلَكِ على حافة البئر. لا تهتمي بي. ادفعي قدميكِ. أنفاسي دائما لاهثة. تابعي المحاولة. سوف ننجح. أكاد أنزلق في البئر. استعدت توازني. هيا تشجعي. خذي أنفاسك الضائعة. ارتاحي فمازال الحمام نائماً منذ سنين.
– شكراً
لن أجيب عليكِ. كنتُ أشاهدكِ منذ البداية. لن أترككِ تعودين. لقد اجتزتِ البئر. هيا اذهبي قبل أن يراكِ غيري. لا تتعجلي. بقي صندوقين. خذي هذا. انه جميل ومزين بالنقوش. لا تترددي في أخذه. حسناً زيلي الغبار عن العباءة أولا. مازال في طرفها –هناك- بعض الغبار المتشبث. لا يهم. اتركيه سوف يعود إلى الأرض.
لازلتِ تفكرين في الصندوق. حسناً لا يوجد الكثير من الوقت. خذيه وإذا لم يعجبك انسيه. تمدين يدكِ. لقد ارتحتُ كثيراً. لن ارسم ابتسامة مرعبة. أنا أمدُّ يدي بالصندوق. وأنتِ تمدين يدكِ ببطء. تأخذينه الآن. لا تتكلمي واصلي المسير.
– لا تفتحي الصندوق الآن.
لن أقول لكِ هذا فلا أسنان في فمي. تنظرين إلى عيني. تخفين الصندوق داخل العباءة. تتابعين السير. يدي الأخرى ممسكة بالصندوق الثاني. تبتعدين. تختفين في الإسمنت. التصق بالجدار الطيني. أتتطلع إلى الليل وانتظر زائرا أخر .. وكأنني أراه يقترب…

