كان فتح عيني من النوم هو أول ما قمت به هذا اليوم. كأنني كنت في غيبوبة ميتة الأبعاد. لا أدري هل كان حلماً أم أن الحمى قد تمكنت مني فلم أعد أعرف ما إذا كان كابوساً أم واقعاً لا أريده. حاولت أن أحرك جسدي الملقى على السرير فلم أستطع. كل مفاصلي متصلبة. فأنا على ما يبدو قد نسيت كيف أتحكم بأطرافي. شعرت أن جميعها قد شدت إلى عظامي فأصبح جسدي كتلة واحدة متخشبة. أخذتُ نفسا عميقا أعاد إلى قلبي خفقانه. لمستُ حرارة الدماء وهي تندفع إلى رأسي. تسلخت عروقي من بقايا ذلك الحلم الغامض. جلستُ مسندة ظهري على طرف السرير المنقوش. نظرتُ إلى النافذة التي لا يوجد غيرها في غرفة النوم. أشعة الشمس تجاهد في الدخول من خلال الستائر المسدلة عليها. فركت عينيّ لأُزيل ما علق بهما من تعب. نظرتُ إلى ساعة يدي بتثاقل. تشير إلى الرابعة والنصف. تطلعتُ إلى النافذة مباشرةً لأتأكد من أنني في أول اليوم. تلفت حولي فلم أجد زوجي. عندها سمعت المؤذن. انتظرت حتى نهاية الأذان لأعرف أن اليوم قد شارف على الانتهاء. نزلت من السرير بكسل وأنا لست مصدقة أنني كنت أحلم وأنني الآن في المنزل وخارجة من غرفة النوم. حاجتي إلى الاستحمام كبيرة لأنزل من رأسي كل ما علق به من بقايا ذلك الحلم الذي لست متأكدةً من رغبتي في تفسيره. خرجتُ من الحمام والماء البارد يتقاطر من جسدي الملفوف بالروب القطني. أضع منشفة على رأسي. يداي ممسكتان بطرفيها وملتصقتان بصدري. أول من رأيت هو زوجي بوجهه الباسم وبحركاته التمثيلية.
– صباح الخير ..
– لقد كان حلماً عجيباً ..!
– اجلس سوف أقصه عليك ..
– حلمتُ بأنني ألبس ملابس غريبة وفي مكان لا أعرفه. كانت الشمس قبل الغروب. رأيت ثلاثة ذئاب ترقص على أقدامها حول نار مثل الهنود الحمر!
– وماذا في ذلك ..؟
– لاشيء .. ولكني رأيتك ترقص معها ..!
بدت علامات الدهشة تعلو وجهه ولكنه أخفاها بسرعة. حقيقة لم أتوقع من زوجي أي اهتمام خصوصا مع الأحداث الغريبة لهذا الحلم. كان مستخفا بكل شيء بطبعه. لم يظهر عليه أي اهتمام بل ضحك. أخذ في مغازلتي بكلماته الضاحكة التي كانت تدغدغ مشاعري حتى حول الموضوع بتذكيري بموعد المستشفى الساعة السابعة مساءً لكي أجري الفحوص العادية للجنين الذي أحمله. طوال الطريق إلى المستشفى وأنا أحاول -دون فائدة- أن أفهم ما يقوله زوجي عن عمله وما يعانيه من تصرفات الجمهور وزملائه المحيطين به. كان الحلم بذئابه الثلاثة يظهرون أمامي في كل إشارة مرور نقف عندها. وأتخيلهم بألوان الإشارة الثلاثة وكأن زوجي يهرب بي عندما يظهر الذئب الأخضر. ومع دخولنا إلى المستشفى تصدمني رائحة المطهرات الممزوجة بأقدام المرضى فتدعوني للغثيان الذي لا يتوقف حتى أخرج منه. ومع نسمات الهواء الرطب خارج المستشفى، اقترح زوجي بأن نذهب إلى الكورنيش فاشترطت عليه أن نأكل سندوتشات شاورما تكون عشاءنا متذرعةً بالوحم. طعم السندوتشات يمتزج في فمي بذلك الحلم.
– أنتِ اليوم لست على ما يرام .. ماذا بكِ؟
– لا شيء ..!
– لماذا تلفظين ما تأكلين إذن ..؟
– أنا ..؟
– انظري عند قدميكِ لقد أحلتِ السيارة إلى سلة مهملات عفنة ..!
– .. لا أدري ذلك الحلم لا يفارقني ..؟
– إنه مجرد حلم ..
لم أجد تفسيرا لإخفائي بعض أجزاء من الحلم عليه. كنت أرقص معه من بعيد وقد مضغت نسمات الهواء شعري الطويل الذي يحجب الرؤية عني في بعض الأحيان. كنت أقلده في كل خطواته التي يخطوها حول تلك النار التي لم أر أحدا أوقدها، ولم أتأكد إن كانت ناراً أم نوراً. العرق يتصبب من جسدي. عيناي مصلوبتان عليه. قدماي تتحركان كأن عينيه هما اللتان تحركانهما.
أوقف السيارة أمام فندق شيراتون في الكورنيش حيث أفضل الجلوس دائما هناك على الجهة المقابلة للفندق. نزل زوجي بسرعة. يبدو أنه هرب من الهواء الفاسد داخل السيارة نتيجة لما خلفته من بقايا لذلك الحلم. لم أنزل مباشرةً بل ظللت مكاني أجمع ما تلفظت به من طعام مغلف برائحة ذئاب الحلم اللعينة. بعد أن انتهيت من ذلك سمعتُ نقر زوجي على زجاج السيارة ماداً يده وبحركة تمثيلية أضحكتني طالبا مني النزول. نظرات الذئاب كالسهام تغرس في جسدي الذي لا أدري ماذا جرى له. كان يهتز ويتثنى كأمهر ما يكون الرقص. هززت رأسي لأتأكد من أنني في الكورنيش بهوائه الممزوج برائحة السمك وبعض الفطريات التي لا أراها ولكني دائما أشم رائحة تزكم أنفي أغيب بعدها في نوبة من التقزز لا تلبث أن تنتهي بعد أن أعتاد على الرائحة. نظرتُ إلى ساعة يدي. تشير إلى الرابعة صباحا. نحن ما نزال على الكورنيش. خفت حركة السيارات. لم يعد حولنا أحد تقريبا. بحثت عن زوجي فلم أجده. لم أشعر به عندما ذهب فالسيارة تقف في مكانها ..
– ربما ذهب ليشتري بعض الماء فأنا أحس بعطش شديد ..
أخذت أتأمل الشاطئ وموجاته الهادئة محاولةً أن أقتل الوقت إلى أن يأتي. الزمن يمر ببطء. حلقي بدأ يجف من العطش. لم يعد ريقي يكفي لترطيبه. أجلتُ النظر حولي باحثةً عن أي مكان قريب من الممكن أن يكون قد ذهب إليه. لم أجد شيئاً. نهضتُ. حاولت أن أزيل رطوبة الليل المنهزم والعالقة بالهواء علني أجده. الجنين في أحشائي يتحرك بسرعة كأنه يحاول أن يشق طريقه إلى الحياة على جسدي الذي بدأ العرق يتفصد منه. رأيت بجوار الفندق كشكاً وأمامه شخص خيل إليّ أنه زوجي ..
– سوف يأتي يجب أن أنتظر ..
جلستُ وأنا أتألم. أحاول أن أحرك عقارب ساعتي علها تساعدني في إرواء عطشي دون فائدة. لم أعد أحتمل. نفضت عن نفسي الخوف. بدأت أتجه نحو ذلك الكشك لكي آخذ من زوجي ما أحضر من ماء. أشعر بأن حلقي بدأ يتشقق من العطش. عبرتُ الشارع إلى الرصيف الذي في منتصفه. رأيت أن الكشك في الطرف الآخر من الشارع. الجنين زاد من حركته داخلي. يبدو أنه شعر بجفاف تلك الأحشاء. عندما وصلت إلى رصيف الشارع في الجهة المقابلة وجدت أن الكشك لم يكن في الطرف كما توقعت بل داخل قطعة الأرض المجاورة للفندق. لم أهتم وبدأت في السير على الأرض الترابية. لم أبالِ بفقد حذائي. رقبتي أشعر أنها بدأت تتشقق أيضا من العطش. اقتربت أكثر من الكشك. لم أصدق عينيّ. لم يكن كشكاً بل مجرد ضوء. زوجي واقفٌ أمامه. التفتَ إليّ. بدأت قدمُهُ ترتفع ببطء وتهبط كبداية لتلك الرقصات القوية المفزعة. لمحت حوله ثلاثة ذئاب تقف على أقدامها. رأيت تلك النظرات كأنها سهام مصوبة إلى أحشائي. العواء الممزوج بصوت وقع أقدامهم يبدو كأنه يعزف لحنا غجرياً لا يعرف وقعه أحد. ومع تعالي الآلام من ركلات الجنين في أحشائي، الذي كأنه يشاركهم الرقص، بدأت قدماي المتربتان ترتفعان لتشاركهم الرقص ..

