لم يكن انتقالي إلى الحي الذي أسكنه الآن حدثاً يستحق أن يذكر أو يقال في أي مكان، ولا يهم أحداً من الساكنين حولي. فأنا لم أشعر بأن هناك تغيراً في أي شيء. الطائرة مازالت تحلق والعصافير مستمرة في الطيران. السيارات تسابق بعضها. والشمس تشرق وتغيب. كل ما حولي يسير برتابة مملة. كان في الحي الجديد شارع كبير يقسم الحي إلى نصفين تقريباً. اصطفت المباني على جنبيه بنوافذها المحدقة ببلاهة في بعضها وفي من يعبر الشارع.
كان أول يوم أطل فيه على الشارع من نافذتي. أحضرت مقعداً وجلست أراقب العائدين إلى منازلهم والعابرين إلى الأحياء الأخرى. منظر يبدو أنه يتكرر كل يوم فلا أحد يهتم به. أناس تعبر الشارع غرباء أو متعارفين رجالاً وأطفالاً. خليط عجيب من البشر يتدفق من خلال الشارع وأنا أراقب بفتور. كانت رأسي فارغة من أي شيء. لقد امتصت عملية النقل كل ما في داخلي من مجهود كان من الممكن أن أحلم به أو أن أستعيد تلك المصادفة العجيبة التي جمعتني بصديقي القديم ..
– لقد لعب الزمان بملامحك.
– إنه الزمن كما تعرف ..!
– ولكن أخبرني .. ما سر شبابك هذا ..؟
– إنه الزمن كما تعرف .. أيضا.
– لقد نسيني الزمن من كل شيء .. حتى من الشيخوخة ..!
علت ضحكته مجلجلة في أذني. نظرت في الساعة أراقب الزمن علّه يتذكرني. كانت الساعة زهاء التاسعة. حاولت أن أتبين ما إذا كان هناك أحد يعبر الشارع في هذه الساعة فقد خفت على ما يبدو حدة الحركة في الشارع ..
– إن موعدنا هو التاسعة والربع.
– حسناً ..
لدي بعض الوقت للراحة. أجلت النظر في الشارع. لم يلفت انتباهي إليه سوى عجوز تسير متوكئة على عصا وتسحب قدميها سحباً. كانت تسير ثم تجلس على الرصيف تلتقط أنفاسها. لتعاود السير مرة أخرى. يبدو أنها لا تقوى على الاستمرار في السير بدون توقف. عندما تجلس كانت تنظر إلى المباني المطلة على الشارع، كأنها تستمد منها القوة، أو تطلب منها المساعدة. انغمست أكثر داخل مقعدي الذي أجلس عليه وأنا أنظر إلى تلك العجوز. يخيل إليّ أنها تنظر إلى كل مبنى في الشارع بشكل آلي ابتداءً من المبنى الذي في أول الشارع مبتدئة النظر من الطابق الأول إلى أن تصل إلى السطح ثم المبنى الثاني فالثالث. عندما وصلت إلى المبنى الذي أسكنه وبدأت في استجلاء أسراره، حاولت أن تستمد بعض القوة. بدأت بالطابق الأول إلى أن وصلت إلى الطابق الذي أُطل منه. شعرت أنها انتقلت إلى المبنى التالي دون أن تكمله إلى السطح. نظرتُ في ساعتي. لقد كان الزمن مصلوباً عليها. الدقائق تمر متجاهلةً نظري إليها. خمس دقائق وأبدأ مشوار القلق على زمني الضائع في الانتظار..
– عندما أدخل إلى الشارع الكبير سوف أضيء النور العالي من بداية الشارع وأطفئه عند المبنى الذي تسكنه..
لم تظهر أية سيارة منذ فترة. لا يهم فمشواري لم يبدأ بعد. نهضت العجوز مستندةً على قدميها ومتوكئة على عصاها. وتابعت المسير ببطء. بقي من الزمن دقيقة واحدة شعرتُ عندها أن داخلي بدأ يتوتر فأنا لا أطيق الانتظار. نظرتُ إلى العجوز. كانت محنية الظهر. تبدو كأنها قد جاوزت الستين عاماً. لا تهتم بملابسها رسمت الأيام على يدها المعروقة أشكالاً من التجاعيد قد تحكي سنين من الأحداث والمواقف المتداخلة. تحمل في يدها كيسا، يبدو أنه عشاؤها، أو ربما كل أمتعتها. لم تستمر في السير كثيرا فمنظر العتبة كان مغرياً لها بالجلوس. كان الجلوس بالنسبة لها على ما يبدو حدثاً من الممكن ألا يقع. لذلك يسبقه عدة محاولات إلى أن تنجح في الجلوس لتبدأ فترة الراحة ومن ثم بعدها تقوم بالنظر إلى المباني المطلة على الشارع .. عندما وصلت إلى المبنى الذي أنا فيه وبلغت النافذة التي أطل منها ووجدت نظراتي محدقةً بها أطالت النظر وكأنها تكلمني. تسمرت عيناها تجاهي. ظلت تنظرُ إليّ فترة. لم أنظر إلى الزمن فهذه العجوز أنستني حتى الموعد الذي أنا جالس من أجله. لم يعد يلفت انتباهي في الشارع أي شيء عدا تلك العجوز. رأيتها تحاول أن تنهض. ولكن يبدو أنها عدلت عن رأيها في النهوض أو أن قواها لم تساعدها على ذلك فجلست. كانت جلستها هذه مقابلة للمبنى الذي أقطنه. لم تبدأ بالنظر من أول الشارع بل بدأت من نافذتي التي أطل منها وانتهت عندها. كانت مستندة بظهرها ورأسها إلى الجدار وظلت تنظر إلي. نظرتُ إليها قليلا ثم أجلت النظر في الشارع معطيا إياها فرصة للتأمل. أعدتُ النظرة إليها. ما تزال تنظر إلي وهي ممسكةً عصاها بكلتي يديها كأنها تحاول أن تقوم ولكنها لا تستطيع. نظرتُ في أول الشارع ورأيت سيارة قادمة وهي مضيئة النور العالي. توقفتْ عند المبنى الذي أقطنه وأطفئ نورها. أطل صديقي من النافذة ولوح لي بيده. لم أنظر إلى ساعتي ولا أدري كم مضى من الوقت لكي أنزل إلى صديقي. ولكني عندما صعدتُ إلى السيارة ونظرت إلى العجوز وجدتها ما تزال في مكانها، بنفس الوضع الذي كانت عليه قبل أن أنزل. رأسها مستند على الجدار ونظرها مصلوب إلى نافذتي، ويداها ممسكتان بعصاها. عندما نظرت في الساعة كانت حوالي الواحدة صباحا. ثم تحركت السيارة ..

